وجاء وصف الأخيار من عباد الله بوصف الصّدّيقية، ففي سورة النساء:
(وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا) . وفي سورة الحديد: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) .
وهذا كله يدلنا على ما أعطى القرآن الكريم فضيلة «الصدق» من منزلة ومكانة.
وقد أفاض الإمام ابن تيمية في الحديث عن الصدق ومعانيه ومراميه عند الصوفية، وذلك في كتابه الجليل «مدارج السالكين بين منازل (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» ،) وقد جاء خلال حديثه أن الصدق هو: «الذي تنشأ منه جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه، الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه، من صال به لم تردّ صولته، ومن نطق به علت على الخصم كلمته، فهو روح الأعمال، ومحكّ الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الوأصلون إلى حضرة ذي الجلال. وهو أساس بناء الدين، وعمود قسطاس اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين، ومن مساكنهم في الجنات تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين، كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين» .
وقد أمر الله تبارك وتعالى أهل الإيمان بالصدق عقب أمره لهم بالتقوى، فقال في سورة التوبة: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) . وكأن هذا الأمر يتطلب تحقيق شيئين، أولهما أن يكون المرء صادقا، والآخر أن يكون في صفّ الصادقين، يوافقهم ويلازمهم ويؤيدهم
ويدافع عنهم.
ولذلك عاد القرآن الكريم في موطن آخر فطالب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبحث ويتبين حتى يعرف الصادقين، ليحفظ لهم كرامتهم وشأنهم ويتبين الكاذبين حتى يؤاخذهم بكذبهم ويحذرهم، فذلك حيث يقول له في سورة التوبة: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) .