فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 1257

وما دام الصدق صفة لازمة للرسول، وكان فضيلة تحلّى بها منذ صباه، وضرب فيها القدوة المثلى لمن عداه، فمن الطبيعي أن يدعو إليه، وأن يحث عليه، ولذلك جاءت في السنة النبوية المطهرة تلك الكلمات الجوامع مع التذكير بالصدق والأمر به، فقال عليه صلوات الله وسلامه: «الصدق طمأنينة، والكذب ريبة» . وقال: «عليكم بالصدق» . وقال: «تحروا الصدق وإن رأيتم فيه الهلكة، فإن فيه النجاة» . وحينما سئل: أيكون المؤمن كذابا؟. أجاب: لا. وعدّ شهادة الزور - وهي لون صارخ من الكذب - فاحشة من أكبر الكبائر.

وكذلك أخبرنا أن الصدق سبب الخير ومفتاح البركة، فقال «ما أملق تاجر صدوق» ، أي ما افتقر، وقال «البيّعان - أي البائع والمشتري - بالخيار ما لم يفترقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» .

والصدق كما يكون أصلا في القول والحديث، يكون في أفعال الجوارح إذا كانت على وجهها من الحق والاستقامة والإخلاص، فهناك صدق في الطاعة إذا عمرها اليقين والإحسان، وهناك صدق في القتال، إذا توافر فيه خلوص النية لله عز وجل، وهناك الصدق في أداء الواجب، إذا لم يقصّر الإنسان في تبعة من

تبعاته، أو حق من حقوقه؛ وهناك صدق الظاهر من حال الإنسان بحيث يكون موافقا باطنه، ولذلك نستطيع أن نقول إن الصدق كما يكون في الأقوال يكون في الأعمال والأحوال، فالصدق في الأقوال هو - كما قال ابن القيم - استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها، واستواء الأفعال على الأمر والمتابعة، كاستواء الرأس على الجسد، والصدق في الأحوال هو استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغ الوسع، وبذل الطاقة، وأعلى مراتب الصدق هي مرتبة الانقياد الكامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع كمال الإخلاص كله لله تعالى الذي أرسله بدينه ودعوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت