وعلى هذا يكون الصدق صدق قول، أو صدق نية، أو صدق عزم، أو صدق وفاء بالعزم، أو صدق عمل، أو صدق تحقيق لمقامات الدين كلّها، وفي ضوء هذا نستطيع أن نفهم الصدق الوارد في قول الله تبارك وتعالى في سورة الأحزاب: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) . فهذا صدق في الوفاء بالعهد، مثل ما فعل الشهيد أنس بن النضر رضي الله عنه، الذي عاهد ربه على الثبات في الجهاد حتى نال الشهادة، وفي جسمه بضع وثمانون، ما بين طعنة وضربة ورمية، ومثل الشهيد مصعب بن عمير رضي الله عنه الذي جاهد ثابتا صادقا حتى نال الشهادة.
ولقد روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان، لقي العدوّ فصدق الله حتى قتل، فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم هكذا - ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته - ورجل جيد الإيمان، إذا لقي العدو فكأنما يضرب وجهه بشوك الطّلح، أتاه سهم غرب فقتله، فهو في الدرجة الثانية، ورجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذاك في الدرجة الثالثة، ورجل أسرف على نفسه، لقي العدوّ فصدق الله
حتى قتل، فذلك في الدرجة الرابعة (1) ».
وقال أبو سعيد الخراز: رأيت في المنام كأن فلكين نزلا من السماء فقالا لي: ما الصدق؟ قلت: الوفاء بالعهد. فقالا لي: صدقت». ثم عرجا إلى السماء.