فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 1257

تصرفات وأعمال، ثم يظهر أن الخبر كان كاذبا أو محرفا أو مبالغا فيه، أو مرادا به غير ما فهمه الإنسان، فيكون هناك ندم وأسف، وقد كان اللائق بالعاقل أن يتبين ويتثبت، ويتأكد ويراجع، حتى لا يؤخذ على غرة، ولا ينكب بخديعة.

ويقرأ الإنسان نبأ في صحيفة أو مجلة، فيسارع بتصديقه، ويعادي أو يصادق على أساس أنه حق واقع، مع أنه قد يكون مكذوبا أو مفترى، ومن هنا يكتوي المتسرع بلهب الندم والحسرة والغم بسبب تسرعه وعدم تثبته.

ويصاب الإنسان بأذى من هنا أو هناك، دون أن يعرف مصدر هذا الأذى، فإذا هو يتعجل ويسارع فيتهم هذا، أو يسب ذاك، أو يتهجم على ذلك، ولو أنه تأنى وتريث، لادرك مصدر الأذى على حقيقته، وحينئذ يحسن التصرف على أساسه، فلا يفقد أصدقاء له، ولا يضيف إلى أعدائه جديدا منهم.

ومن باب التسرع المذموم أن يتعجل الإنسان بالمدح دون دراية، أو الذم دون موجب، أو يتعجل بالكلام قبل أن يديره على عقله، أو يتعجل بتصرف ما قبل ان يتدبره، ومن وراء ذلك يكون الغم والاسف.

ألا ما أكثر البلايا التي تلاحق الناس من وراء تسرعهم واندفاعهم، وقلة تبينهم للأمور وتثبتهم من الوقائع وتأكدهم من الاخبار، مع انهم يسمعون كل حين قول الحكيم: «في التأني السلامة وفي العجلة الندامة» .

ولقد تناثرت الكلمات الحكيمة الداعية إلى تبين الأمور خلال كتب الأدب والحكمة، وكلها تذكير بهذه الفضيلة الأخلاقية القرآنية الحميدة، فهذا بعض الحكماء يقول: «إذا أردت أن يكون العقل غالبا للهوى، فلا تعمل بقضاء الشهوة حتى تنظر العاقبة، فإن مكث الندامة في القلب أكثر

من مكث خفة الشهوة».

وأوصى اعرابي أولاده فقال لهم: «إياكم والعجلة فإن أبي كان يكنّيها أم الندم» . ومن أمثال العرب قولهم: «رب عجلة تهب ريثا» . وقولهم: «وقد يكون مع المستعجل الزلل» . وقولهم: «أخطأ مستعجل أو كاد، وأصاب متثبت أو كاد» . وقولهم: «من ورد عجلا صدر خجلا» . وقال ذو الرياستين: «ان أسرع النار التهابا أسرعها خمودا، فتأن في أمرك» .

ويقول الشاعر ابن هانئ المغربي:

وكل أناة في المواطن سؤدد ... ولا كأناة من قدير محكّم

ومن يتبين أن للصفح موضعا ... من السيف يصفح عن كثير ويحلم

وما الرأي إلا بعد طول تثبت ... ولا الحزم إلا بعد طول تلوم (1)

وقال الشاعر يمدح عاقلا حكيما:

بصير بأعقاب الأمور كأنما ... تخاطبه في كل أمر عواقبه

ما أجدر المؤمن المهتدي بهدي القرآن أن يجعل أمام بصره وبصيرته قول ربه: «فتبينوا» حتى يحذر الاعتساف، ويألف الانصاف، وعلى الله قصد السبيل.

(1) التلوم: الانتظار والتأني في الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت