والجواب أنه زاد ذلك في آيات الشعراء لأنه قد قال أولا: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» . فلو لم يذكر هذه الزيادة: «لِمَنِ اتَّبَعَكَ» لكان الظاهر ان اللام في كلمة «للمؤمنين» للمعهود المذكور أولا وهو العشيرة، فيصير الأمر بخفض الجناح مقصورا على الاقربين من عشيرته، فجاء قوله: «لِمَنِ اتَّبَعَكَ» ليعلم أن خفض الجناح مطلوب منه مع جميع اتباعه المؤمنين.
هذا ومما يقوي دلالة «خفض الجناح» على الرفق واللين والرحمة أن مادة «الجناح» لم تستعمل في لغة القرآن إلا في مواطن تدل على اللين والأمن والرحمة والتكريم.
فلننظر:
يقول القرآن في سورة طه:
«وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ
سُوءٍ» (1) .
ويقول في سورة القصص:
«وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ» (2) .
أي لتضبط نفسك ويزول خوفك.
ويقول في سورة فاطر:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ» (3) .
ويقول في سورة الأنعام:
«وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» (4) .
ويقول في سورة الأنفال:
«وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ» (5) .
ولقد كان سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام مثلا يحتذى في
(1) سورة طه، الآية 22.
(2) سورة القصص، الآية 32.
(3) سورة فاطر، الآية الأولى.
(4) سورة الأنعام، الآية 38.
(5) سورة الأنفال، الآية 61.