وجاء أدب النبوة الممتع فقص علينا قصة أصحاب الصخرة التي سدت عليهم باب الغار، فجعل كلّ منهم يدعو بعمل صالح، حتى يزيل الله عنهم الكرب وينقذهم، وقال الثاني منهم في دعائه: اللهم إنك تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحبّ الناس إلي، فراودتها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين - أي شدة من الشدائد - فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين دينارا، على أن تخلّي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها، قالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي من أحبّ الناس إليّ، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك، ففرّج عنا ما نحن فيه .. ». الحديث رواه البخاري.
وكذلك روى أبو بكر بن عبد الله المزني ان قصّابا هام بفتاة لبعض جيرانه، وبادلته الفتاة حبا بحب، ولكنها كانت عفيفة شريفة، فتبعها ذات يوم وهي على خلوة من الطريق، وراودها عن نفسها، فقالت له: لا تفعل فإني أشد حبا لك منك لي، ولكني أخاف الله. فارتدع وقال: أنت تخافينه وأنا لا أخافه؟. ثم رجع تائبا، فاستجاب الله دعاءه.
ومما رواه السلف أن شابا عابدا كان بالكوفة، فتعرضت له امرأة في الطريق، وقالت له: يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها. فقال لها: هذا موقف تهمة، وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعا، فقالت له: والله ما وقفت موقفي هذا جهالة مني بأمرك، ولكن معاذ الله أن يتشوف العباد إلى مثل هذا مني، والذي حملني على أن لقيتك في مثل هذا الأمر بنفسي معرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير، وأنتم معاشر العبّاد على مثال القوارير، أدنى شيء يعيبها، وجملة ما أقوله لك: إن جوارحي كلها مشغولة بك، فالله الله في أمري وأمرك.