الصالحين إذا خرج من داره يقول: «اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجا لا أكون فيه ضامنا عليك» .
ويقول القرآن على لسان إبراهيم عليه السلام: (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) أي ثناء ثابتا يصدق صاحبه ولا يكذب فيه، وإنما يستحق إبراهيم ذلك بطاعته لربه، وإخلاصه العمل لوجهه تعالى.
ويقول القرآن: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي أن لهم أعمالا صالحة قدّموها بإخلاص، يتقبلها الله ويثيب عليها لأن أهلها صدقوا فيها. ويقول: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) ومقعد الصدق هنا هو الجنة التي لا ريب في وعد المؤمنين بها، وإنما استحقوها بصدقهم في طاعتهم، وإخلاصهم في عبادتهم.
والواقع الذي لا شك فيه أن التزام الصدق أمر يحتاج إلى إرادة صلبة، وعزيمة قوية، وإيمان وطيد، واحتمال كريم لتبعات الصدق، ولذلك قال بشر ابن الحارث «من عامل الله بالصدق استوحش من الناس» . وسئل ذو النون: هل للعبد إلى صلاح أموره سبيل؟. فأجاب قائلا:
قد بقينا من الذنوب حيارى ... نطلب الصدق، ما إليه سبيل
فدعاوي الهوى تخف علينا ... وخلاف الهوى (1) علينا ثقيل
وكأن ذا النون يشير بذلك إلى الجهد الكبير الذي يجب أن يبذله من ذات نفسه من شاء أن يكون متحليا بفضيلة الصدق، وإلى أن أقوم طريق يوصل إلى الصدق هو أن يخالف الإنسان هوى نفسه، وأن يوافق الحقّ والعدل، ومن هنا قال ابن القيم: «حمل الصدق كحمل الجبال الرواسي، لا يطيقه إلا أصحاب العزائم» . وقال الجنيد: «حقيقة الصدق أن تصدق في موطن لا
(1) خلاف الهوى: مخالفة هوى النفس.
أخلاق القرآن - (4)