والدرجة الثالثة أن تبلغ درجة البصيرة في العلم والادراك، واليها يشير القرآن الحكيم في قوله:
«قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (1) .
وقد نوه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بمكانة أهل الحكمة أيما تنويه حين قال: «ان الجنة للمحكّمين» - بتشديد الكاف المفتوحة - حيث قيل انهم المخصوصون بالحكمة، والذين ينصفون من أنفسهم.
وقيل في تفسير هذا الحديث ان المحكمين هم المجاهدون الذين يقعون في يد الاعداء، فيخيرهم أعداؤهم بين الشرك والقتل، فيختارون القتل على الشرك، كما حدث من المؤمنين من أصحاب الاخدود الذين اختاروا الثبات على الإيمان مع القتل، ومن ذلك حديث كعب الذي وصف فيه الجنة، وكان من قوله: «ان في الجنة دارا لا ينزلها إلا نبي أو صدّيق أو محكّم في نفسه» .
ولا عجب أن ينال أهل الحكمة تلك المكانة، لأنهم يتصفون بطائفة كريمة من الصفات، ومنها التجربة، ولذلك روى البخاري في الأدب: «لا حكيم إلا ذو تجربة» . ومنها الصمت إلا في الحق، ولذلك جاء الحديث: «الصمت حكم (أي حكمة) وقليل فاعله» . ومنها خوف الله عز وجل، ولذلك أخرج الحكيم الترمذي في النوادر: «رأس الحكمة مخافة الله» .
(1) سورة يوسف، الآية 108.