فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 1257

وللحكمة أركان تقوم عليها، وهي العلم والحلم والأناة، ولها معاول هدم هي الجهل والطيش والعجلة، فلا حكمة لجاهل، ولا لطائش، ولا لعجول. هكذا يقول ابن القيم، كما يقرر أن الحكمة نوعان: حكمة علمية، وهي الاطلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها، خلقا وأمرا، قدرا وشرعا، وحكمة عملية، وهي وضع الشيء في موطنه، ولذلك ثلاث درجات: الدرجة الأولى أن تعطي كل شيء حقه، ولا تتعدى به حدّه، ولا تسبق به وقته، ولا تؤخره عنه، ويوضح ابن القيم ذلك فيذكر أنه لما كانت الأشياء لها مراتب وحقوق، تقتضيها شرعا وقدرا،

ولها حدود ونهايات تصل إليها ولا تتعداها، ولها أوقات لا تتقدم عنها ولا تتأخر، كانت الحكمة مراعاة هذه الجهات الثلاث، بأن تعطي كل مرتبة حقها الذي أحقه الله لها بشرعه وقدره، ولا تتعدى بها حدها، فتكون متعديا مخالفا للحكمة، ولا تطلب تعجيلها عن وقتها فتخالف الحكمة، ولا تؤخرها عنه فتفوتها.

وهذا حكم عام لجميع الأسباب مع مسبباتها شرعا وقدرا، فاضاعتها تعطيل للحكمة بمنزلة اضاعة البذر وسقي الأرض. وتعدي الحق كسقيها فوق حاجتها، بحيث يغرق البذر ويفسد الزرع. وتعجيلها عن وقتها كحصاده قبل ادراكه وكماله. وكذلك ترك الغذاء والشراب واللباس إخلال بالحكمة، وتعدي الحد المحتاج إليه خروج عنها أيضا، وتعجيل ذلك قبل وقته إخلال بها، وتأخيره عن وقته إخلال بها.

فالحكمة اذن هي فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي.

والدرجة الثانية لوضع الشيء في موضعه، هي أن تعرف الحكمة في وعد الله تعالى ووعيده، وأنه كما قال في سورة النساء:

«إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا» (1) .

وتعرف الحكمة والعدل في أحكامه، وقد عرّف أهل السنة حكمة الله بقولهم: «انها الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه بخلقه وأمره، التي أمر لأجلها، وقدر وخلق لاجلها، وهي صفته القائمة به كسائر صفاته، من سمعه وبصره، وقدرته وإرادته، وعلمه وحياته وكلامه» .

(1) سورة النساء، الآية 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت