فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 1257

وقد قيل في التفسير ان المراد هنا بالكلمة الطيبة هي شهادة التوحيد، وقيل ان المؤمن بقوله الطيب وعمله الصالح كشجرة النخلة لا ينقطع لها اثمار، وكأن الكلمة الطيبة تفيد وتنفع كما تفيد الشجرة وتنفع.

ويروى عن عبد الله بن عمر رضوان الله عليهما انه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أخبروني عن شجرة تشبه الرجل المسلم، لا يتحات ورقها صيفا ولا شتاء، وتؤتي أكلها كل حين باذن ربها. فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم.

فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هي النخلة.

فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة.

قال: ما منعك أن تتكلم؟.

قلت: لم أركم تتكلمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا.

قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إليّ من كذا وكذا.

والكلمة الطيبة - كما يعبر بعض المفسرين - تشبه الشجرة الطيبة، فهي ثابتة سامقة مثمرة، لا تزعزعها الاعاصير، ولا تعصف بها رياح الباطل، ولا تقوى عليها معاول الطغيان، وهي سامقة متعالية على الشر والظلم والطغيان، مثمرة لا ينقطع ثمرها، لأن بذورها تنبت في النفوس المتكاثرة آنا بعد آن.

وان الكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة، قد تهيج وتتعالى وتتشابك، ويخيل إلى بعض الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى، ولكنها تظل نافشة هشة، وتظل جذورها في التربة قريبة، حتى لكأنها على وجه الأرض، وما هي إلا فترة ثم تجتث وتستؤصل من فوق الأرض، فلا قرار لها ولا بقاء.

وفي ظل الشجرة الثابتة التي ضربت مثلا للكلمة الطيبة «يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ» . وفي ظل الشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الأرض ما لها من قرار ولا ثبات «يُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ» بتجاوزهم حدود الطريق، وبعدهم عن النور الهادي، «وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ» .

وإذا كان القرآن الكريم قد حض على التمسك بفضيلة طيب الكلام، لأنه عنوان النفس الطاهرة، فإنه مع هذا قد حذر مما ينحرف باللسان إلى ما لا يليق من الكلام، ولذلك قال القرآن الكريم ضمن صفات المؤمنين:

«وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ» (1)

واللغو من الكلام هو ما لا يعتد به ولا فائدة فيه ولا يليق بالمسلم أن يردده، ويطلق اللغو على الكلام القبيح والقول الخبيث.

وكذلك يقول القرآن في سورة النساء:

«لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا» (2) .

وهو بذلك ينفر من النطق بالكلام السيء الذي يتضمن سبا أو شتما أو طعنا، اللهم في موطن القضاء أو الدفاع عن الناس أو مقاومة الظالم، إذ ليس معنى طيب القول أن يضعف المسلم، أو يتخاذل أمام اعتداء عليه، أو اغتصاب لحقه، والكلمة الطيبة قد تكون قوية صارمة رادعة في الموطن المناسب لذلك، ومن هنا

(1) سورة المؤمنون، الآية 3.

(2) سورة النساء، الآية 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت