فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 1257

وَأُسَرِّحْكُنَ (1) سَراحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا). ويقول في سورة طه عن السحرة الذين ظهرت لهم دلائل الإيمان، فآثروا اتباع طريق ربّهم على طريق فرعون (قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا، فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ، إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ، وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى) .

وقد حذر القرآن الكريم عباد الرحمن وخوّفهم إيثار الدنيا على الآخرة فقال في سورة النازعات: (فَأَمَّا مَنْ طَغى، وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى) . وقال في سورة الأعلى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى) . وروى الترمذي أن رسول الله عليه الصلاة والسّلام قال: من أحبّ دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى».

ولذلك عدّ البصراء من العلماء أسمى درجات الإيثار أن يؤثر الإنسان رضى ربّه على رضى من عداه، فيفعل المرء ما فيه مرضاة خالقه، حتى ولو غضب المخلوق، وهذه الدرجة من درجات الإيثار هي درجة الأنبياء والمرسلين، وإمامهم فيها هو خاتمهم سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، ومن هنا قال الإمام ابن القيم: «إيثار رضا الله عز وجل على غيره هو أن يريده ويفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء، وأعلاها للرسل عليهم صلوات الله وسلامه، وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم، فإنه قاوم العالم كلّه، وتجرد للدعوة إلى الله، واحتمل عداوة البعيد والقريب في الله تعالى، وآثر رضا الله على رضا الخلق من كل وجه. ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة لائم، بل كان همّه وعزمه وسعيه كله مقصورا

(1) أسرحكن: كناية عن تطليقهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت