فهرس الكتاب

الصفحة 606 من 1257

المضار الدينية والدنيوية، وأن الله تعالى قادر على ايجاد جميع المنافع الدينية والدنيوية وعلى دفع جميع المضار الدينية والدنيوية، قدرة لا يقدر أحد سواه على دفعها عنه.

فإذا حصل هذا العلم في القلب، تولد عن هذا العلم حصول حالة في القلب، وهي انكسار وتواضع، ويعبّر عن تلك الحالة بالتضرع إلى الله تعالى والخضوع له. ثم ان حصول تلك الحالة في القلب يوجب حصول صفة أخرى في القلب، وصفة في اللسان. أما الصفة الحأصلة في القلب، فهي أن يصير العبد مريدا لأن يصونه الله تعالى عن الآفات، ويخصه بافاضة الخيرات والحسنات. وأما الصفة التي في اللسان فهي أن يصير العبد طالبا لهذا المعنى بلسانه من الله تعالى، وذلك الطلب هو الاستعاذة، وهو قوله: أعوذ بالله.

اذا عرفت ما ذكرنا يظهر لك أن الركن الاعظم في الاستعاذة هو علمه بالله، وعلمه بنفسه. أما علمه بالله فهو أن يعلم كونه سبحانه وتعالى عالما بجميع المعلومات، فإنه لو لم يكن الأمر كذلك لجاز أن لا يكون الله عالما به ولا بأحواله، فعلى هذا التقدير تكون الاستعاذة به عبثا. ولا بد ان يعلم كونه قادرا على جميع الممكنات، والا فربما كان عاجزا عن تحصيل مراد العبد. ولا بد أن يعلم أيضا كونه جوادا مطلقا، إذ لو كان البخل عليه جائزا، لما كان في الاستعاذة فائدة. ولا بد أيضا وأن يعلم أنه لا يقدر أحد سوى الله تعالى على أن يعينه على مقاصده، إذ لو جاز أن يكون غير الله يعينه على مقاصده لم تكن الرغبة قوية في الاستعاذة بالله.

وذلك لا يتم إلا بالتوحيد المطلق، وأعني بالتوحيد المطلق أن يعلم أن مدبر العالم واحد، وأن يعلم أيضا أن العبد غير مستقل بأعمال نفسه، إذ لو كان مستقلا بأعمال نفسه، لم يكن في الاستعاذة بالغير فائدة.

فثبت ما ذكرنا ان العبد - ما لم يعرف عزة الربوبية وذلة العبودية ـ

لا يصح منه أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ومن الناس من يقول لا حاجة في هذا الذكر إلى العلم بهذه المقدمات، بل الإنسان إذا جوّز كون الأمر كذلك حسن منه أن يقول: أعوذ بالله، على سبيل الاجمال. وهذا ضعيف جدا، لأن إبراهيم عليه السلام عاب أباه في قوله: «لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا» .

فبتقدير أن لا يكون الإله عالما بكل المعلومات، قادرا على جميع المقدورات، كان سؤاله سؤالا لمن لا يسمع ولا يبصر، وكان داخلا تحت ما جعله إبراهيم عليه السلام عيبا على أبيه.

وأما علم العبد بحال نفسه فلا بد وأن يعلم عجزه وقصوره عن رعاية مصالح نفسه على سبيل التمام، وأن يعلم أيضا أنه بتقدير أن يعلم تلك المصالح بحسب الكيفية والكمية، لكنه لا يمكنه تحصيلها عند عدمها، ولا ابقاؤها عند وجودها.

إذا عرفت هذا فتقول: انه إذا حصلت هذه العلوم في قلب العبد، وصار مشاهدا لها، متيقنا فيها، وجب ان يحصل في قلبه تلك الحالة المسماة بالانكسار والخضوع، وحينئذ يحصل في قلبه الطلب، وفي لسانه اللفظ الدال على ذلك الطلب، وذلك هو قوله: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت