بل الذي يغدو في شغل قريب قد تصيبه شوكة في قدمه، ولا يحس بألم ذلك لشغل قلبه، بل الذي يحتجم أو يحلق رأسه بحديدة كآلة يتألم، فإن كان مشغول القلب بمهم من مهماته، فرغ المزيّن والحجّام وهو لا يشعر، وكلّ ذلك لأن القلب إذا صار مستغرقا بأمر من الأمور، مستوفى به لم يدرك ما عداه، فكذلك العاشق المستغرق الهمّ بمشاهدة معشوقه أو بحبه، قد يصيبه ما كان يتألم به أو يغتم له لو لا عشقه، ثم لا يدرك غمّه وألمه لفرط استيلاء الحب على قلبه. هذا إذا أصابه من غير حبيبه فكيف إذا أصابه من حبيبه، وشغل القلب بالحب والعشق من أعظم الشواغل.
وإذا تصوّر هذا في ألم يسير بسبب حب خفيف تصوّر في الألم العظيم بالحب العظيم، فإن الحب أيضا يتصور تضاعفه في القوة كما يتصور تضاعف الألم وكما يقوى حبّ الصور الجميلة المدركة بحاسة البصر، فكذا يقوى حب الصور الجميلة الباطنة المدركة بنور البصيرة، وجمال حضرة الربوبية وجلالها لا يقاس به جمال ولا جلال، فمن ينكشف له شيء منه فقد يبهره بحيث يدهش ويغشى عليه، فلا يحس بما يجري عليه».
ثم يقول: وأما الوجه الثاني فهو أن يحس به ويدرك ألمه، ولكن يكون راضيا، بل راغبا فيه مريدا له، أعني بعقله، وإن كان كارها بطبعه، كالذي يلتمس من الفصاد والفصد والحجامة، فإنه يدرك ألم ذلك، إلا أنه راض به وراغب فيه، ومتقلد من الفصادية منّة بفعله، فهذا حال الراضي بما يجري عليه من الألم «وكذلك كل من يسافر في طلب الربح يدرك مشقة السفر، ولكن حبّه لثمرة سفره طيّب عنده مشقة السفر وجعله راضيا بها، ومهما أصابته بلية من الله، وكان له يقين بأن ثوابه الذي ادخر له فوق ما فاته ورضي به ورغب فيه وأحبه وشكر الله عليه» .