فهرس الكتاب

الصفحة 688 من 1257

«ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذه البيانات ختم كلامه بخاتمة لطيفة، فقال: فستذكرون ما أقول لكم. وهذا كلام مبهم يوجب التخويف. ويحتمل أن يكون المراد أن هذا الذكر يحصل في الدنيا، وهو وقت الموت، وأن يكون في القيامة، وقت مشاهدة الاهوال. وبالجملة فهو تحذير شديد.

ثم قال: وأفوض أمري إلى الله، وهذا كلام من هدد بأمر يخافه، فكأنهم خوفوه بالقتل، وهو أيضا خوفهم بقوله: فستذكرون ما أقول

لكم. ثم عوّل في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على فضل الله تعالى، فقال: وأفوض أمري إلى الله. وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عليه السلام، فإن فرعون لما خوّفه بالقتل رجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله، حيث قال: إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ...

ثم قال: ان الله بصير بالعباد، أي عالم بأحوالهم وبمقادير حاجاتهم».

ونتساءل: متى فوض هذا المؤمن من آل فرعون أمره إلى الله جل جلاله؟

انه لم يفوض أمره إلى ربه تواكلا أو تكاسلا، ولم يفوضه على سبيل الضعف والعجز، ولا على سبيل الفرار من التبعة والتخلص من الواجب، وإنما فوض أمره إلى ربه بعد أن قام بواجبه، وبذل جهده، واستنفد وسعه، وبعد ان دعاهم إلى النجاة وحذرهم النار، وتعرض بسبب ذلك لمخاوف العدوان من هؤلاء الاعداء، حتى لقد خاف أن يقتلوه، ولكن ذلك لم يمنعه أن يصدع بكلمة الحق عالية، وهذا أحد المفسرين يصور ذلك بقوله: «ويستنكر الرجل المؤمن أن يدعوهم إلى النجاة فيدعونه إلى النار، فيهتف بهم في استنكار: «يا قَوْمِ، ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ» ؟.

وهم لم يدعوه إلى النار، إنما دعوه إلى الشرك، وما الفرق بين الدعوة إلى الشرك والدعوة إلى النار؟ انها قريب من قريب، فهو يبدل الدعوة بالدعوة في تعبيره في الآية التالية: «تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ» .

وشتان بين دعوة ودعوة، ان دعوته لهم واضحة مستقيمة، انه

يدعوهم إلى العزيز الغفار، يدعوهم إلى إله واحد تشهد آثاره في الوجود بوحدانيته، وتنطق بدائع صنعته بقدرته وتقديره. يدعوهم إليه ليغفر لهم، وهو القادر على ان يغفر، الذي تفضل بالغفران: «الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت