فالى أي شيء يدعونه؟ يدعونه للكفر بالله، عن طريق إشراك ما لا علم له به من مدعيات وأوهام وألغاز.
ويقرر من غير شك ولا ريبة أن هؤلاء الشركاء ليس لهم من الأمر شيء، وليس لهم شأن لا في دنيا ولا في آخرة، وأن المراد لله وحده، وأن المسرفين المتجاوزين للحد في الادعاء سيكونون أهل النار.
«لا جرم أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، وان مردنا إلى الله، وأن المسرفين هم أصحاب النار» .
وماذا يبقى بعد هذا البيان الواضح الشامل للحقائق الرئيسية في العقيدة، وقد جهر بها الرجل في مواجهة فرعون وملئه بلا تردد ولا تلعثم، بعد ما كان يكتم إيمانه، فأعلن عنه هذا الإعلان؟. لا يبقى إلا أن يفوض أمره إلى الله، وقد قال كلمته، وأراح ضميره، مهددا إياهم بأنهم سيذكرون كلمته هذه في موقف لا تنفع فيه الذكرى، والأمر كله لله: فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله، ان الله بصير بالعباد».
وينتهي الجدل والحوار، وقد سجل مؤمن آل فرعون كلمته الحق خالدة في ضمير الزمان»!!.
ويرى الإمام الهروي أن التفويض أوسع معنى من التوكل، فإن التوكل - كما يعبّر - بعد وقوع السبب، والتفويض قبل وقوعه وبعده، وهو عين الاستسلام، والتوكل شعبة منه.
ولكن الإمام ابن القيم يخالفه في الرأي، ويرى أن التوكل فوق التفويض، وأجل منه وأرفع، ولذلك تكرر الأمر بالتوكل في القرآن، وأخبر القرآن أن التوكل صفة خاصة برسول الله وأوليائه وصفوة المؤمنين، وسمى الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام «المتوكل» كما روى البخاري عن ابن عمر: «قرأت في التوراة صفة النبي صلى الله عليه وسلم: محمد رسول الله، سميته المتوكل ... » .
وأخبر النبي عن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، أنهم «أهل مقام التوكل» .
ولذلك يعد ابن القيم التوكل أوسع من التفويض، وأعلى وأرفع.
ويعلق ابن القيم على عبارة الهروي: «فإن التوكل بعد وقوع السبب، والتفويض قبل وقوعه وبعده» بقوله: «يعني بالسبب: الاكتساب، فالمفوض قد فوض أمره إلى الله قبل اكتسابه وبعده. والمتوكل قد قام بالسبب، وتوكل فيه على الله، فصار التفويض أوسع.