فهرس الكتاب

الصفحة 690 من 1257

فيقال: والتوكل قد يكون قبل السبب ومعه وبعده، فيتوكل على الله أن يقيمه في سبب يوصله إلى مطلوبه، فإذا قام به توكل على الله حال مباشرته، فإذا أتمه توكل على الله في حصول ثمراته، فيتوكل على الله قبله ومعه وبعده.

فعلى هذا هو أوسع من التفويض على ما ذكر».

ولا يكتفي ابن القيم في مخالفة الهروي حول الفرق بين التوكل والتفويض بما سبق، يل يعلق أيضا على قول الهروي على التفويض: «وهو عين الاستسلام» . فيقرر أن معنى ذلك أن التفويض هو عين الانقياد بالكلية إلى الحق سبحانه، ولا يبالي أكان ما يقضي له الخير أم خلافه، والمتوكل يتوكل على الله في مصالحه، وبهذا يعلو مقام التفويض

على مقام التوكل.

ويرد ابن القيم على ذلك بأمرين:

أحدهما ان المفوض لا يفوض أمره إلى الله إلا لإرادته أن يقضي له ما هو خير له في معاشه ومعاده، وإن كان المقضي له خلاف ما يظنه خيرا فهو راض به، لأنه يعلم أنه خير له، وان خفيت عليه جهة المصلحة فيه، وهكذا حال المتوكل، فهما في ذلك سواء، بل المتوكل أرفع من المفوض، لأن معه من عمل القلب ما ليس مع المفوض، فإن المفوض مفوض وزيادة، فلا يستقيم مقام التوكل إلا بالتفويض، فإنه إذا فوّض أمره إليه اعتمد بقلبه كله عليه بعد تفويضه.

ونظير هذا أن من فوض أمره إلى رجل، وجعل أمره إليه، فإنه يجد من نفسه - بعد تفويضه - اعتمادا خاصا، وسكونا وطمأنينة إلى المفوّض إليه، أكثر مما كان قبل التفويض، وهذه هي حقيقة التوكل.

والأمر الثاني هو أن أهم مصالح المتوكل حصول مراضي محبوبه ومحابّه، فهو يتوكل عليه في تحصيلها له، فأي مصلحة أعظم من هذه؟. وأما التفويض فهو تفويض حاجات العبد المعيشية وأسبابها إلى الله، فإنه لا يفوض إليه محابه، والمتوكل يتوكل عليه في محابه.

والوهم إنما جاء من ظن الظان أن التوكل مقصور على معلوم الرزق، وقوة البدن، وصحة الجسم، ولا ريب أن هذا التوكل ناقص بالنسبة إلى التوكل في إقامة الدين والدعوة إلى الله عز وجل.

وابن القيم حين يقارن بين التوكل والتفويض، لا يريد ان يبخس فضيلة التفويض شيئا من مكانتها العالية لأنه يصف المفوض بأنه يتبرأ من الحول والقوة، ويفوض الأمر إلى صاحبه وهو الله عز وجل، من غير أن يقيمه مقام نفسه في مصالحه، فالتفويض براءة وخروج من الحول والقوة، وهو تسليم الأمر كله إلى مالكه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت