فهرس الكتاب

الصفحة 691 من 1257

وحينما يقول الهروي: «الثقة سواد عين التوكل، ونقطة دائرة التفويض، وسويداء قلب التسليم» يذكر ابن القيم ان مراد الهروي بهذا هو أن «الثقة» خلاصة التوكل ولبه، كما أن سواد العين أشرف ما في العين، وأشار بأنه نقطة دائرة التفويض، إلى أن مدار التوكل عليه، وهو في وسطه كحال النقطة من الدائرة. فإن النقطة هي المركز الذي عليه استدارة المحيط، ونسبة جهات المحيط إليها نسبة واحدة، وكل جزء من أجزاء المحيط مقابل لها، كذلك «الثقة» هي النقطة التي يدور عليها التفويض.

وكذلك قوله: «وسويداء قلب التسليم» فإن القلب أشرف ما فيه سويداؤه، وهي المهجة التي تكون بها الحياة، وهي في وسطه، فلو كان التفويض قلبا لكانت الثقة سويداءه، ولو كان عينا لكانت سوادها، ولو كان دائرة لكانت نقطتها.

والتفويض - كما يراه أطباه الارواح - درجات، الأولى ان يعلم العبد أنه لا يملك استطاعة قبل ان يعمل، فالاستطاعة بيد الله تعالى لا بيد الإنسان، وان لم يعطه الله سبحانه استطاعة فهو عاجز.

والدرجة الثانية أن يعاين الإنسان فقره وضرورته إلى الله عز وجل، فيرى ان كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة وفقر إلى الله، ويوقن بأن نجاته إنما هي بالله، لا بعمله.

والدرجة الثالثة أن يشهد انفراد الله الحق بملك الحركة والسكون، فهو سبحانه الباسط القابض، وهو عز شأنه المتصرف في كل شيء وكل أمر: «ألا إلى الله تصير الأمور» .

وإذا كان ابن القيم يرى أن درجة التفويض دون درجة التوكل، فإن أبا علي الدقاق يسلك طريقا آخر، لأنه يجعل التوكل ثلاث درجات: التوكل، ثم التسليم، ثم التفويض. فالمتوكل يسكن إلى وعده، وصاحب

التسليم يكتفي بعلمه، وصاحب التفويض يرضى بحكمه، فالتوكل بداية، والتسليم واسطة، والتفويض نهاية، فالتوكل صفة المؤمنين، والتسليم صفة الأولياء، والتفويض صفة الموحدين (1) .

وهناك نوع من التفويض، يمكن أن نسميه «التفويض العقلي» أو أو «التفويض في الرأي» ، وهو تفويض الحكم في الأمور إلى الله جل جلاله، ولعل هذا مما نفهمه من قول القرآن الكريم في سورة النساء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت