والرضى بالقضاء الكوني القدري، الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه - من الصحة والغنى والعافية واللذة - أمر لازم بمقتضى الطبيعة، لأنه ملازم للعبد محبوب له، فليس في الرضى به عبودية، بل العبودية في مقابلته بالشكر والاعتراف بالمنة، ووضع النعمة مواضعها التي يحب الله أن توضع فيها، وأن لا يعصي المنعم بها، وان يرى التقصير في جميع ذلك.
والرضى بالقضاء الكوني القدري، الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته - مما لا يلائمه، ولا يدخل تحت اختياره - مستحب، وهو من مقامات أهل الإيمان.
وينهض التسليم لله على ثلاث دعائم: الأولى تسليم الغيب لله، وعدم
تحكيم العقل في كل الأمور، فالعقل يعجز أمام الكثير من هذه الأمور، والثانية الاذعان لتصرف الله في الخلق وفي حظوظ الناس. والثالثة الاقدام على جلائل الأمور، لا يخاف اقتحام المخاطر والاهوال، لأن قوة تسليمه تحميه من خطرها.
وجوهر التسليم هو الرضى بقضاء الله، وهذا الرضى هو ثمرة التوكل، لأن العبد إذا توكل على الله حق التوكل رضي بما يفعله ربه، ويقول الإمام ابن القيم:
«وكان شيخنا رضي الله عنه يقول: المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله، والرضى بعده، فمن توكل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل، فقد قام بالعبودية، أو معنى هذا.
قلت: وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وآله في دعاء الاستخارة: «اللهم أني أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، واسألك من فضلك العظيم» . فهذا توكل وتفويض.
ثم قال: «فانك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب» . فهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحول والقوة، وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون.
ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر، ان كان فيه مصلحته عاجلا أو آجلا، وأن يصرفه عنه ان كان فيه مضرته عاجلا أو آجلا، فهذا هو حاجته التي سألها، فلم يبق عليه إلا الرضى بما يقضيه له، فقال: «واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به» .
فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية،
التي من جملتها التوكل والتفويض قبل وقوع المقدور، والرضى بعده وهو ثمرة التوكل، والتفويض علامة صحته، فإن لم يرض بما قضى له فتفويضه معلول فاسد».