وهؤلاء هم السابقون الأولون من المؤمنين، تقبل عليهم الأحزاب بخيلها ورجلها، وعدوانها وطغيانها، فلا يزدادون إلا إيمانا وإقبالا على الله وتسليما له، وبذلك كانوا صادقين أوفياء، فذلك حيث يقول الله جل جلاله في سورة الأحزاب:
«وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا، لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، إِنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا» .
ويقرر ابن القيم ان التسليم لله يتحقق بخلاص الإنسان من الشبهة التي تعارض الخبر الصحيح، ومن الشهوة التي تعارض الأمر الإلهي الحكيم، ومن إرادة النفس التي تعارض الإخلاص لله، ومن الاعتراض على أحكام الشرع، ومتى تحلى الإنسان بهذا التخلص أصبح صاحب القلب السليم الذي ينجو صاحبه يوم القيامة: «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم» .
ولذلك يجب على الإنسان أن يتخلص من الشبهات والشهوات وإرادة الذات والاعتراض، وبذلك يبلغ أجل مقامات الإيمان، وعلة التسليم هي
عدم اكتمال الرضى: «وليس في التسليم إلا علة واحدة، وهي أن لا يكون تسليمه صادرا عن محض الرضى والاختيار، بل يشوبه كره وانقباض، فيسلّم على نوع اغماض، فهذه علة التسليم المؤثرة، فاجتهد في الخلاص منها» .
وفي صدق الإسلام معنى التسليم، لأن الإسلام انقياد لله، وخضوع لما وضعه من الشرائع والأحكام، مع التوجه الكلي إلى الله، ولعل هذا هو ما عبر عنه القرآن الكريم بإسلام الوجه، وقد وردت في كتاب الله تعالى يظهر فيها هذا المعنى، كقول الله جل جلاله في سورة البقرة:
«بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» .
وفي سورة آل عمران:
«فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ» .
وفي سورة النساء: