وقيل أيضا في تفسير هذه الآية: كرمنا الإنسان بحسن الصورة واعتدال القامة والعقل، فاهتدى إلى الصناعات ومعرفة اللغات، وحسن التفكير في وسائل المعاش، والتسلط على ما في الأرض، وتسخير ما في العالم السفلي والعلوي، وحملناهم على الدواب والقاطرات والطائرات والسفن وغيرها، (وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ) ، ورزقناهم من الطيبات والاغذية النباتية والحيوانية، وفضلناهم على كثير من المخلوقات
بالتغلب والشرف والكرامة.
أليس الواجب أمام هذا التكريم الإلهي العظيم، أن يكون الإنسان كريما على نفسه وعلى الناس، فيجمّل ذاته بفضيلة الكرامة، ويحصن ذاته ضد كل ما لا يليق به في قول أو عمل؟. ان الكرامة هبة الله للإنسان، فواجب عليه ان يصون هبة الرحمن. ان الله تعالى هو الذي أعطى الكرامة، وكما حللها الأخيار من عباده، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يظهروا أثر نعمة الله وكرامته، ويبشر هؤلاء العباد المستجيبين بتكريم من الله ونعيم مقيم.
ولكن الكثير من الدهماء لم يصونوا النعمة، ولم يقدروا الكرامة، فالله تعالى قد خلقهم في أحسن تقويم، ولكنهم بلؤمهم وتمردهم، انحطوا إلى أسافل سافلين، إلا من رحم الله.
«لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» .
ويعود القرآن ليؤكد هذا فيقول في سورة الانفطار:
«يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ» .
كذلك يقول القرآن في سورة الفجر:
«فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ
رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ، كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ... ».