فهرس الكتاب

الصفحة 716 من 1257

ولذلك لم يصغ النبي صلى الله عليه وآله إلى قول الذين أشاروا عليه بالخروج في غزوة أحد، حين أرادوا أن يرجعوا عن رأيهم، خشية أن يكونوا قد استكرهوه، وكان قد لبس ملابس الحرب، فعلّمهم بذلك أن لكل عمل وقتا، وأن وقت المشاورة متى انتهى أعقبه العمل، وأن القائد إذا شرع في العمل تنفيذا للشورى، لا يجوز له أن ينقض عزيمته ويبطل عمله، وإن كان يرى أن أهل الشورى قد أخطأوا الرأي، ويمكن أن نرجع

هذا إلى قاعدة ارتكاب أخف الضررين، وأي ضرر أشد من فسخ العزيمة، وما فيه من الضعف والفشل وابطال الثقة؟!.

هكذا صور التفسير هذا الرأي في المراد بالعزيمة عقب الشورى، وهو رأي تستريح إليه النفس، ولكن هناك رأيا آخر نذكره استكمالا لوجهات النظر، وقد عبر عنه صاحب «عمدة التفسير» بهذه العبارة:

«معنى الآية واضح صريح لا يحتاج إلى تفسير، ولا يحتمل التأويل، فهو أمر للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم لمن يكون ولي الأمر من بعده، أن يستعرض آراء أصحابه الذين يراهم موضع الرأي، الذين هم أولو الاحلام والنّهى، في المسائل التي تكون موضع تبادل الآراء، وموضع الاجتهاد في التطبيق، ثم يختار من بينها ما يراه حقا، أو صوابا، أو مصلحة، فيعزم على انفاذه، غير متقيد برأي فريق معين، ولا برأي عدد محدود: لا برأي أكثرية، ولا برأي أقلية، فإذا عزم توكل على الله، وأنفذ العزم على ما ارتآه.

ومن المفهوم البديهي الذي لا يحتاج إلى دليل أن الذين أمر الرسول بمشاورتهم - ويأتسي به فيه من يلي الأمر من بعده - هم الرجال الصالحون القائمون على حدود الله، المتقون الله، المقيمو الصلاة، المؤدو الزكاة، هم الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلني منكم أولو الأحلام والنّهى» .

ويقول الله تبارك وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام في سورة الأحقاف: «فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ» أي أصحاب الجد والثبات، والصبر والعزيمة. وقد قيل ان المراد بأولي العزم من الرسل طائفة منهم، وهم نوح، لأنه صبر على أذى قومه، وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم الذي قدم ابنه للفداء والذبح، ويعقوب الذي صبر على فقد الولد وذهاب البصر، ويوسف الذي صبر على الالقاء في الجب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت