والقوم يرون أن المريد يتمكن من الإرادة بثلاثة أمور، هي صحة القصد، وصحة العلم، وسعة الطريق، ويعلق ابن القيم على هذه الأمور، فيذكر أنه بصحة القصد من المريد يصح سيره، وبصحة العلم ينكشف له الطريق، وبسعة الطريق يهون عليه المسير، وكل طالب أمر من الأمور لا بد له من تعيين مطلوبه، وهو المقصود، ومعرفة الطريق الموصل إليه، والأخذ في السلوك، فمتى فاته أمر من هذه الأمور لم يصح طلبه ولا سيره، فالأمر دائر بين مطلوب يتعين إيثاره على غيره، وطلب يقوم بقصد من يقصده، وطريق يوصل إليه.
فإذا تحقق العبد بطلب ربه وحده تعين مطلوبه، فإذا بذل جهده في طلبه صح له طلبه، فإذا تحقق باتباع أوامره واجتناب نواهيه صح له طريقه، وصحة القصد والطريق موقوفة على صحة المطلوب وتعينه.
ويرى القوم أن الإرادة الصادقة تشغل المريد عن إرادة أي شيء سوى الله تعالى، ويحذرون المريد أن يريد السّوى - أي غير الله - وان علا، والمرء يحجب عن الله بقدر إرادته لغيره. ولذلك قال الحق جلا حلاله اخبارا عن عباده المقربين:
«إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا» (1) .
وقال تعالى:
«وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى» (2) .
ولقد توسعوا في الحديث عن إرادة العبد بالنسبة إلى ربه جل جلاله، وقد جاء في كتاب «مدارج السالكين» حول هذا الموضوع كلام دقيق عميق، من الخير أن نقف عليه بنصه، فهو يقرر أن الناس في هذا المجال أربعة أقسام:
«أحدهم: من لا يريد ربّه ولا يريد ثوابه، فهؤلاء أعداؤه حقا، وهم أهل العذاب الدائم، وعدم إرادتهم لثوابه اما لعدم تصديقهم به، واما لإيثار العاجل عليه ولو كان فيه سخطه» .
والقسم الثاني من يريده ويريد ثوابه، وهؤلاء خواص خلقه. قال الله تعالى:
«وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا» (3) .
فهذا خطابه لخير نساء العالمين، أزواج نبيه صلى الله عليه وآله.
(1) سورة الإنسان، الآية 9.
(2) سورة الليل، 19 و 20.
(3) سورة الأحزاب، 29.