فهرس الكتاب

الصفحة 739 من 1257

ان قلب المؤمن يستشعر فضل الله عليه، ويحس آلاءه في كل نفس وكل نبضة، ومن ثم يستصغر كل عباداته، ويستقل كل طاعاته، إلى جانب آلاء الله ونعمائه. كذلك هو يستشعر بكل ذرة فيه جلال الله وعظمته، ويرقب بكل مشاعره يد الله في كل شيء من حوله، ومن ثم يشعر بالهيبة، ويشعر بالوجل يشفق أن يلقى الله وهو مقصر في حقه، لم يوفه حقه عبادة وطاعة، ولم يقارب أياديه عليه معرفة وشكرا.

وهؤلاء هم الذين يسارعون في الخيرات، وهم الذين يسبقون لها فينالونها في الطليعة، بهذه اليقظة، وبهذا التطلع، وبهذا العمل، وبهذه الطاعة، لا أولئك الذين يعيشون في غمرة، ويحسبون لغفلتهم أنهم مقصودون بالنعمة، مرادون بالخير، كالصيد الغافل يستدرج إلى مصرعه بالطعم المغري. ومثل هذا الطير في الناس كثير، يغمرهم الرخاء، وتشغلهم النعمة، ويطغيهم الغنى، ويلهيهم الغرور، حتى يلاقوا المصير».

وإذا كان أهل التفسير المعروف المألوف يسيرون في تبيان «الإشفاق» على ما رأينا من صور، فإن أهل التصوف يسلكون طريقهم الخاص بهم في تصوير هذه الصفة، فيقول القشيري مثلا: «أمارة الإشفاق من

لخشية اطراق السريرة في حال الوقوف بين يدي الله بشواهد الأدب، محاذرة بغتات الطرد، لا يستقر بهم قرار لما داخلهم من الرعب، واستولى عليهم من سلطان الهيبة».

والقرآن الكريم يذكر لنا أن فضيلة «الإشفاق» من صفات أهل لجنة المكرمين، حيث يتحدث في سورة المعارج عن المصلين المخلصين لمصدقين بيوم الدين، فيقول عنهم:

«وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ» (1) .

وبعد أن يصفهم بحفظ فروجهم وأماناتهم وعهدهم، وأنهم القائمون بشهاداتهم، والمحافظون على صلواتهم، يقول:

«أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ» (2) .

وقوله: «مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ» أي خائفون، لأن هذا العذاب لا يأمنه أحد، بل الواجب على كل أحد أن يخافه ويشفق منه. ويشير الرازي إلى أن «الإشفاق» يكون من أمرين: اما بالخوف من ترك الواجبات، أو الخوف من الاقدام على المحظورات. ومن يدوم به الخوف والإشفاق فيما كلف به يكون حذرا من التقصير، حريصا على القيام بما كلف به من علم وعمل، والإنسان لا يمكنه القطع بأنه أدى الواجبات كما ينبغي، واحترز عن المحظورات بالكلية، بل يجوز أن يكون قد وقع منه تقصير في شيء من ذلك، فلا جرم يكون خائفا أبدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت