فهرس الكتاب

الصفحة 738 من 1257

«الصفة الرابعة» : قوله: «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» .

معناه: يعطون ما أعطوا، فدخل فيه كل حق يلزم ايتاؤه، سواء كان ذلك من حق الله تعالى، كالزكاة والكفارة وغيرهما، أو من حقوق الآدميين كالودائع والديون وأصناف الانصاف والعدل.

وبيّن أن ذلك إنما ينفع إذا فعلوه وقلوبهم وجلة، لأن من يقدم على العبادة وهو وجل من تقصيره، وإخلاله بنقصان أو غيره، فإنه يكون لأجل ذلك الوجل مجتهدا في أن يوفيها حقها في الأداء.

وسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» : أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق، وهو على ذلك يخاف الله تعالى؟!.

فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يا ابنة الصدّيق، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، وهو على ذلك يخاف الله تعالى» .

واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن، لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي، والصفة الثانية دلت على ترك الرياء في الطاعات، والصفة الثالثة دلت على أن المستجمع لتلك الصفات الثلاث يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين، رزقنا الله سبحانه الوصول إليها».

ويرى بعض المفسرين المعاصرين أن الآيات الكريمة السابقة فيها ابراز لصورة اليقظة والحذر في القلوب المؤمنة، بعد ابراز صورة الغفلة والغمرة في القلوب الضالة، فيسوق في تبيان ذلك العبارة التالية:

«من هنا يبرز أثر الإيمان في القلب، من الحساسية والارهاف والتحرج، والتطلع إلى الكمال، وحساب العواقب، مهما ينهض بالواجبات والتكاليف.

فهؤلاء المؤمنون يشفقون من ربهم خشية وتقوى، وهم يؤمنون بآياته، ولا يشركون به، وهم ينهضون بواجباتهم وتكاليفهم، وهم يأتون من الطاعات ما استطاعوا، ولكنهم بعد هذا كله «يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ» لاحساسهم بالتقصير في جانب الله، بعد أن بذلوا ما في طوقهم، وهو في نظرهم قليل.

عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: يا رسول الله، «الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله عز وجل».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت