فهرس الكتاب

الصفحة 755 من 1257

ولنلاحظ أن الآية الكريمة السابقة قد قالت: «فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا» ولم تقل «فاعفوا واصفحوا عنهم» وذلك لإرادة عموم العفو والصفح - والله أعلم بمراده - أي عاملوا جميع الناس بالعفو والصفح، فإن هذا هو اللائق بشأن المؤمنين المتقين، ما لم يكن ذلك على حساب الدين أو كرامة المسلمين.

وقد يقال: كيف يأمر الله تعالى المسلمين بالعفو والصفح عن أهل الكتاب وقد كان المسلمون يومئذ قلة؟. ويتولى الأستاذ الإمام محمد عبده الرد على هذه الشبهة، فيقول: «في أمره تعالى لهم بالعفو والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قلتهم هم أصحاب القدرة والشوكة، لأن الصفح إنما يطلب من القادر على خلافه، كأنه يقول: لا يغرنكم أيها المؤمنون كثرة أهل الكتاب مع باطلهم، فانكم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق، فعاملوهم معاملة القوي العادل للقوي الجاهل.

وفي انزال المؤمنين على ضعفهم منزل الاقوياء، ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء، ايذانا بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية، وأن العزة لهم ما ثبتوا على حقهم، ومهما يتصارع الحق والباطل فإن الحق هو الذي يصرع الباطل».

ويقول الله عز وجل في سورة المائدة:

«فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، فَاعْفُ

عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (1) .

والمعنى: أنهم بسبب نقضهم العهد والميثاق لعنهم الله وأبعدهم عن رحمته، وجعل قلوبهم قاسية صلبة، لا تعي خيرا ولا تفعله، وهم يبدلون الكلام ويحرفون معناه، ونسوا عهدهم الذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنت يا رسول الله لا تزال تطلع على خيانة منهم وفجور، إلا قليلا منهم لم يخونوا، فاعف عنهم واصفح ما دام بينك وبينهم عهد وهم أهل ذمة.

ويقول ابن كثير هنا: «وهذا هو عين النصر والظفر. كما قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك، بمثل أن تطيع الله فيه. وبهذا يحصل لهم جمع تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم. ولهذا قال الله تعالى: ان الله يحب المحسنين، يعني به الصفح عمن اساء إليك» .

ويقول الله عز شأنه في سورة التغابن:

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ، وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (2) .

قيل ان الآية الكريمة نزلت في بعض المسلمين الذين كانوا إذا أرادوا الخروج للجهاد بكى أولاده وأهله وقالوا له: إلى من تدعنا؟. فيرق فيقيم.

وقيل: نزلت في رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وآله في المدينة، فأبى أولادهم وزوجاتهم، فلما أتوا

(1) سورة المائدة، الآية 13.

(2) سورة التغابن، الآية 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت