فهرس الكتاب

الصفحة 757 من 1257

وذهب أبو بكر إلى بيته، وأرسل إلى مسطح وأصحابه، وقال: قبلت ما أنزل الله على الرأس والعين، وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم، أما إذ عفا عنكم فمرحبا بكم.

وجعل لمسطح ضعف ما كان له قبل ذلك.

ونفهم من الآية الكريمة أن أهل الفضل في الدين والخلق لا يقصرون في الإحسان إلى المسلمين، فهم أهل سماحة وصفح، ونرى أن الله تبارك وتعالى حينما أمر أبا بكر بالاعطاء لقبه بأولي الفضل والسعة، كأنه سبحانه يقول له: أنت أفضل من أن تقابل اساءته بمثلها، وأنت أوسع قلبا من أن تقيم للدنيا وزنا، فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن تقطع برك عنه بسبب ما صدر منه من الاساءة، وهذا الخطاب يدل على نهاية الفضل والعلو في الدين.

ويعلق الرازي على قوله: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا» فيقول ان العفو قرينة التقوى، وكل من كان أقوى في العفو كان أقوى في التقوى، ومن كان كذلك كان أفضل لقول الله: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ» . والعفو والتقوى متلازمان وقد اجتمعا في أبي بكر، أما التقوى فلقوله سبحانه: «وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى» وأما العفو فلقوله: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا» .

ولقد قال الله لرسوله صلى الله عليه وآله «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ» وقال في حق أبي بكر: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا» فهذا يدل على أن أبا بكر كان ثاني اثنين لرسول الله صلى الله عليه وآله في جميع الأخلاق حتى في العفو والصفح.

ولذلك قالت الآية: «أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ» هكذا بصيغة الجمع على سبيل التعظيم.

وقد علق الله غفرانه على اقدام أبي بكر على العفو والصفح، وقد حصل فترتب الجزاء على الشرط فتحققت المغفرة لأبي بكر، وقوله: «يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ» بصيغة المستقبل، وهو غير مقيد بشيء دون شيء، فدلت الآية على أنه سبحانه قد غفر لأبي بكر في مستقبل عمره على الإطلاق، فكان من هذا الوجه ثاني اثنين للرسول عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ» . وكان هذا دليلا على صحة امامته رضي الله عنه. يقول الرازي: فإن امامته لو كانت على خلاف الحق لما كان مغفورا له على الإطلاق، ودليلا على صحة ما ذكره الرسول في خبر بشارة العشرة بأن أبا بكر في الجنة.

ويقول القرآن في سورة الزخرف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت