فهرس الكتاب

الصفحة 776 من 1257

ويعلق على الآية ذاتها أحد البصراء من المفسرين فيقول: «فبهذا الفضل الذي آتاه الله عباده، وبهذه الرحمة التي أفاضها عليهم من الإيمان ... فبذلك وحده فليفرحوا، فهذا الذي يستحق الفرح، لا المال ولا أعراض هذه الحياة، ان ذلك هو الفرح العلوي الذي يطلق النفس من عقال المطامع الأرضية والاعراض الزائلة، فيجعل هذه الاعراض خادمة للحياة لا مخدومة، ويجعل الإنسان فوقها وهو يستمتع بها، لا عبدا خاضعا لها.

والإسلام لا يحقر أعراض الحياة الدنيا ليهجرها الناس ويزهدوا فيها، إنما يحقرها ليستمتع بها الناس وهم أحرار الإرادة طلقاء اليد، مطمحهم أعلى من هذه الاعراض، وآفاقهم أسمى من دنيا الأرض. الإيمان عندهم هو النعمة، وتأدية مقتضيات الإيمان هو الهدف، والدنيا بعد ذلك مملوكة لهم، لا سلطان لها عليهم».

ويقول الله تعالى في سورة آل عمران:

«وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ

أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» (1) .

فالله تعالى يخبر عن الشهداء بأنهم - وان قتلوا في هذه الدار - فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار.

وقد كان أحدهم يجاهد في سبيل الله، ليبلّغ دعوة الله، فيضرب بالرمح في جنبه حتى يخرج من الشق الآخر فيفرح بفضل الله عليه ويقول الله أكبر فزت وربّ الكعبة!. وفي السنة أن الشهداء، عند ربهم حينما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت اخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب. فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله تعالى الآيات: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا ... » . وهم فرحون بما هم فيه من الفضل والنعمة والغبطة، ويستبشرون باخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله، لأنهم يقدمون عليهم، ولا يخافون مما أمامهم، ولا يحزنون على ما تركوا وراءهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت