الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». ولذلك يقول القائل:
إذا سكن الغدير على صفاء ... وجنّب أن يحركه النسيم
بدت فيه السماء بلا امتراء ... كذاك الشمس تبدو والنجوم
كذاك قلوب أرباب التجلي ... يرى في صفوها الله العظيم
هكذا استشهد ابن القيم في «مدارج السالكين» .
وصلوات الله وسلامه على رسوله القائل: «أنا أعرفكم بالله، وأشدكم له خشية» .
والمعرفة بالله ليست معرفة لذاته، وإنما هي معرفة لمظاهر ربوبيته ودلائل وحدانيته، ولذلك نسبوا إلى أبي بكر رضوان الله عليه أنه قال: «سبحان من لم يجعل للخلق طريقا إلى معرفته، إلا بالعجز عن معرفته» .
وهناك عند الاشرار نوع من المعرفة المعاندة يشير إليها القرآن المجيد في سورة الأنعام حيث يقول:
«الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» (1) .
فهذه معرفة مكابرة لا تثمر ثمرة المعرفة الصحيحة السليمة، وهذا النوع من المعرفة يجعل أصحابها يعرفون الحقيقة كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك ينكرون ما يعرفون، لأن اظهارهم لهذه الحقيقة سيفقدهم جاههم وسلطانهم في الحياة.
ويقول القرآن في سورة البقرة: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (1) .
فالذين أوتوا الكتاب يعرفون صدق ما جاء به رسول الله من عند ربه، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولون تربيتهم، ولكنهم يكتمون هذا الحق سفها وعنادا ومكابرة.
والصوفية يهتمون على طريقتهم التي عرفت عنهم بالمعرفة وتصوير الحديث عن أهلها بما يدل على أنهم يجعلون لها مكانة مرموقة عند أهل القلوب والارواح. فيقول الفضيل: «أحق الناس بالرضا عن الله أهل المعرفة بالله عز وجل» . وسئل أبو سعيد الخراز عن المعرفة، فقال: المعرفة تأتي من وجهين: من عين الجود، وبذل المجهود. وكأنه يقصد أن بعض المعرفة هبة من الله سبحانه، وبعضها يتحقق بمجهود يبذله المرء. ويقول الشبلي: من علامة المعرفة أن يرى نفسه في قبضة العزة، ويجري عليه تصاريف القدرة، ومن علامة المعرفة المحبة، لأن من عرفه أحبه.
(1) سورة الأنعام، الآية 20.