وينبغي ان يكون معنى قول الرازي: إن حاجات العبد غير متناهية، إن حاجات الإنسان كثيرة موصولة ما دام حيا، والبقاء الأبدي الذي لا نهاية له إنما هو لله وحده: (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) .
والطمأنينة خلق اصحاب العقول الراجحة، والعلم الراسخ، والإيمان القوي، والذكر الخالص، والحق الثابت، فهم لا يزدهيهم متاع، ولا يوئسهم تعب، وما داموا قد اقبلوا على الله، واعتصموا بحبل الله، وحرصوا على ذكر الله، فإنهم لا يذلون لما عداه في هذه الحياة. ولذلك قال سهل بن عبد الله: «إذا سكن قلب العبد إلى مولاه واطمأن إليه، قويت حال العبد، فإذا قويت أنس بالعبد كلّ شيء» .
ولقد اشار البصراء بدقائق الأخلاق إلى ان الطمأنينة مراتب ودرجات، فهناك طمأنينة القلب بذكر الله، فإن القلب إذا اخلص في ذكر الله هدأ واطمأن، وسكن واستراح. وهناك طمأنينة السالك على بصيرة وهدى إلى استقامة طريقه، وتوصيله إلى غايته، ولعله مما يشير إلى هذا قول الحق جل جلاله: (قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) . وهناك طمأنينة المؤمن إلى لطف الله وسعة رحمته، فربه هو القائل: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) .
والرجل المطمئن لا يحزن على ما فات، ولا يفرح بما هو كائن، ولا يخاف مما هو آت، وهو لا يضجر من أداء واجب، فإن الطمأنينة فيها معنى الإقامة والدوام، ولذلك يقال: اطمأن فلان بالمكان إذا لزمه وأقام فيه، وهو لا يمل مجانبة الإثم، لأن الإثم والطمأنينة لا يجتمعان، فالإثم حيرة، ولكن البر سكينة والحديث يقول: «الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس» . ويقول: «البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب» .
والمطمئن لا يجزع من قضاء، ولا يضيق بقدر، بل يردد مع القائل:
ما قد مضى يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر
وتحققي أن المقدّر كائن ... يجري عليك، حذرت ام لم تحذري