ولقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في التخلق بخلق الطمأنينة، فما استطاعت الأهوال المتوالية ان تخرجه عن وقاره ورزانته، ولا استطاع النصر العظيم ان يزدهيه أو يغره، ولا ضعف يقينه أو رجاؤه في احلك الظلمات وأشد الأزمات، والقرآن يترجم عن هذا حين يقول: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ، إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا، فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ
تَرَوْها، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».
وراودته الجبال الشّمّ من ذهب ... عن نفسه فأراها أيّما شمم
ومن مفاتح الطمأنينة ذكر الله تعالى، بالإقبال على تلاوة كتابه وتدبر آياته، وذلك لأن القلب يطمئن بالإيمان واليقين، والقرآن الكريم هو اصدق رائد إلى هذا الإيمان، وهو اقوى قاطع لذيل الشك والريب، ومن هنا جاء قول الله تبارك وتعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) لأن هؤلاء إذا ذكروا ربّهم، وقرأوا كلامه وتدبروا مغزاه، خشعت قلوبهم واطمأنت.
ويعلل الفخر الرازي ذلك بقوله: «إن القلب كلما وصل إلى شيء فإنه يطلب الانتقال منه إلى حالة اخرى اشرف منها، لأنه لا سعادة في عالم الاجسام إلا وفوقها مرتبة اخرى في اللذة والغبطة، أما إذا انتهى القلب والعقل إلى الاستسعاد بالمعارف الإلهية والاضواء الصمدية بقي واستقر، فلم يقدر على الانتقال منه البتة، لأنه ليس هناك درجة اخرى في السعادة أعلى منها وأكمل، فلهذا المعنى قال: (أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) .
وقد يحلو لمعترض ان يقول: إن القرآن الكريم هنا يقول: (أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) ، وفي مكان آخر يقول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ، والاطمئنان ضد الوجل. والجواب عن ذلك أن المؤمنين إذا ذكروا العقاب، وعدم العصمة من المعصية، وجلوا وخافوا، وإذا ذكروا الثواب والرحمة اطمأنت قلوبهم، فالوجل عند ذكر العقاب، والاطمئنان عند ذكر الثواب.