ويمكن ان يقال إن علمهم بكون القرآن معجزا يجعلهم يطمئنون إلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن خوفهم من عجزهم عن الاستقامة الكاملة على
الصراط المستقيم يوجد الخوف في قلوبهم.
وقد تكون الطمأنينة عن «طريق التطلع» إلى تحقيق اليقين وتأكد الإيمان بالمشاهدة والعيان، كما في قول الله جل جلاله: (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى. قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) . وهذا تطلع لا بأس به إلى الطمأنينة التي تحقق اليقين وتثبته، ولنلاحظ أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام يسأل عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، فقوله: كيف تحيي الموتى؟ ليس نفيا للاحياء، ولكن السؤال استفهام عن هيئة الاحياء، مع التصديق بتحقق الاحياء ووقوعه، فإبراهيم قد سأل أن يشاهد كيفية جمع اجزاء الموتى بعد تفريقها، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فهو قد أراد ان يحصل عنده الفرق بين المعلوم سماعا والمعلوم عيانا.
ولم يكن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام شاكّا في إحياء الله الموتى قط، وإنما طلب المعاينة، لأن النفوس تتطلع إلى مشاهدة العجيب من الأحوال مع تصديقها له، ولهذا جاء في الحديث: «ليس الخبر كالمعاينة» . والحديث الذي يقول: «نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال رب ارني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي» . معناه أن إبراهيم لو كان شاكا لكنا نحن أحق بالشك منه، ونحن لا نشك فإبراهيم أحرى ألا يشك، فالمراد من الحديث تأكيد نفي الشك عن إبراهيم.
وفي هذا يقول تفسير المنار: «فهم بعض الناس من هذا السؤال أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام كان قلقا مضطربا في اعتقاده بالبعث، وهذا شك فيه، وما أبلد أذهانهم وأبعد افهامهم عن إصابة المرمى، وقد ورد في حديث الصحيحين: «نحن اولى بالشك من إبراهيم» اي إننا نقطع بعدم شكه كما نقطع بعدم شكنا أو اشد قطعا.
نعم ليس في الكلام ما يشعر بالشك، فإنه ما من احد إلا وهو يؤمن بأمور
كثيرة إيمانا يقينيا وهو لا يعرف كيفيتها، ويود لو يعرفها، فهذا التلغراف الذي ينقل الخبر من المشرق إلى المغرب في دقيقة واحدة، يوقن به كلّ الناس في كل بلد يوجد فيه، ويقل فيهم العارف بكيفية نقله للخبر بهذه السرعة.