أفيقال فيمن طلب بيان هذه الكيفية إنه شاك بوجود التلغراف؟. طلب المزيد في العلم والرغبة في استكناه الحقائق والتشوق إلى الوقوف على اسرار الخليقة مما فطر الله عليه الإنسان، وأكمل الناس علما وفهما، أشدّهم للعلم طلبا للوقوف على المجهولات تشوفا، ولن يصل احد من الخلق إلى الاحاطة بكل شيء علما وقتل كل موجود فقها وفهما.
وقد كان طلب الخليل عليه الصلاة والسّلام رؤية كيفية إحياء الموتى بعينيه من هذا القبيل، فهو طلب للطمأنينة فيما تنزع إليه نفسه القدسية من معرفة خفايا اسرار الربوبية، لا طلب للطمأنينة في أصل عقد الإيمان بالبعث الذي عرفه بالوحي والبرهان دون المشاهدة والعيان».
وقد زكى القرآن المجيد مكانة النفس المطمئنة، وبشّرها بحميد مآلها وجمال عاقبتها فقال: (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي) . و «النفس المطمئنة» هنا هي التي لا تأمر بالسوء وهي النفس المؤمنة الموقنة، المخلصة الساكنة، التي ايقنت أن الله ربها فاخبتت لذلك، ورضيت بقضاء الله تعالى، وعلمت ان ما اخطأها لم يكن ليصيبها، وما اصابها لم يكن ليخطئها، والتي عملت على يقين بما وعد الله في كتابه، وهي واثقة بالبعث وبما لها عند الله من ثواب.
وقد ذكر المفسرون نماذج للذين اطمأنت نفوسهم من أهل السلف الصالح، فذكروا حمزة، وابا بكر، وابن عباس، وعثمان بن عفان، وخبيب بن عدي، رضوان الله على الجميع، وقد كان من دعاء السلف:
«اللهم هب لي نفسا مطمئنة إليك» .
وقد تحدث القرآن عن نوع سيء من الطمأنينة، لأنها طمأنينة كاذبة تقوم على الاغترار والانخداع، فقال في سورة الحج: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) . فليست الطمأنينة هنا هي تلك الطمأنينة الراسخة الثابتة المستقرة، وإنما هي صورة طمأنينة موقوتة مضطربة قلقة.