فهرس الكتاب

الصفحة 822 من 1257

وقال حكيم لابنه: «اجعل لاقتصادك سلطة على افراطك، فانك إذا قدرت الأمور على ذلك، وزنتها بميزان الحكمة، وقومتها تقويم الثّقاف، لم تجعل للندامة سلطانا على الحلم» .

ومن أجمل ما قرأت في الحث على فضيلة التقدير للأمور، والنظر إلى العواقب، والموازنة بين الاشباه والنظائر، والتلفت إلى مختلف جوانب الأمور ما أوصى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابنه الحسن، في وصيته المشهورة التي كتبها إليه وهو منصرف من بلدة «حاضرين» ناحية صفين، حيث يقول له فيها:

«واعلم أن أمامك طريقا ذات مسافة بعيدة، ومشقة شديدة، وأنه لا غنى لك فيه عن حسن الارتياد. وقدّر بلاغك من الزاد، مع خفة الظهر، فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك، فيكون ثقل ذلك وبالا عليك.

وإذا وجدت من أهل الفاقة (الفقر) من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة، فيوافيك به غدا، حيث تحتاج إليه، فاغتنمه وحمّله إياه، وأكثر من تزويده وأنت قادر، فلعلك تطلبه فلا تجده، واغتنم من استقرضك في حالة غناك، ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك.

واعلم أن أمامك عقبة كؤودا (صعبة) المخف فيها أحسن حالا من المثقل، والبطيء عليها أقبح حالا من المسرع، وأن مهبطك بها - لا محالة - على جنة أو على نار.

فارتد لنفسك قبل نزولك، ووطّئ المنزل قبل حلولك، فليس بعد الموت مستعتب، ولا إلى الدنيا منصرف».

ما أروعها من كلمات عميقة دقيقة، تصور فضيلة التقدير كأنها الحلية الاساسية النفيسة للعقلاء وما أشد حاجة الناس إلى هذه الفضيلة النادرة. ان الناس محتاجون إلى التقدير في التفكير، حتى لا يجمح بهم

جامح من الحمق أو الطيش أو سوء النظر.

وما أشد حاجة الناس إلى التدبير في التعبير، حتى يجعلوا لسانهم من وراء عقولهم، لا أن يجعلوا عقولهم خلف ألسنتهم، ولو لزموا التدبير في القول والمنطق، لما ندت عن أفواههم كلمات فيها ما هو أشد من العورات، ولما صدرت عن ألسنتهم جراح أنكى من اصابة السلاح.

وما أشد حاجة الناس إلى التقدير في الاكل والشرب والثياب واللهو، حتى لا يصيبهم وبال الجموح والاسراف، فيكونوا داعية الخراب والدمار:

«وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا» (1) .

ولله در القائل:

قدر لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا شرفا عن غرة زلجا

وقول الآخر:

قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل

اللهم انا نسألك - وأنت القادر المقدر - أن تهبنا نعمة التقدير والتدبير، انك على كل شيء قدير.

(1) سورة الإسراء، الآية 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت