ومن هنا تنشأ المودة الحقيقية الصادقة من القلب ومن أعماق الإنسان، ولقد تتباعد الاشباح ويتواد مع ذلك الارواح، والرسول عليه الصلاة والسلام يشير إلى ذلك حين يقول: «الارواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» . وشوقي يقول:
فإن القرب بالروح ... وليس القرب بالجسم
ولقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان رضي الله عنهما، يقول: «القرابة تقطع (يقطعها بعض أهلها، والمعروف ينكر) (ينكره بعض الناس) ولم ير كتقارب القلوب» .
وأبو تمام الطائي يؤكد أن المودة من شأن القلوب لا الاجساد فيقول:
ذو الود مني وذو القربى بمنزلة ... واخوتي أسوة عندي واخواني
عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم، وان فرّقوا في الأرض، جيراني
أرواحنا في مكان واحد وغدت ... أبداننا بشآم أو خراسان
والكميت بن معروف يقول:
ما أنا بالنكس الدنيء ولا الذي ... إذا صدّ عنه ذو المودة يقرب
ولكنه ان دام دمت، وان يكن ... له مذهب عني فلي عنه مذهب
ألا ان خير الود ودّ تطوعت ... به النفس، لا ود أتى وهو متعب
وعبد الله بن عبد الله بن عتبة يقول:
أبن لي، فكن مثلي، أو ابتغ صاحبا ... كمثلك، إني مبتغ صاحبا مثلي
غزيز اخائي، لا ينال مودتي ... من القوم إلا مسلم كامل العقل
وما يلبث الاخوان أن يتفرقوا ... إذا لم يؤلف روح شكل إلى شكل
وكتب صديق إلى صديقه يقول له: «اني صادقت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الانقياد لك بغير زمام، لأن النفس يتبع بعضها بعضا» .
ومن هنا قال أحد الاعراب: «لا يظهر الود السليم، إلا من القلب السليم» . ولذلك كان من شأن المودة الصادقة أن تبقى وتدوم، كما يقول القائل لصفيه:
فسر وأقم، وقف عليك مودتي ... مكانك من قلبي عليك مصون
وتحتاج هذه المودة - كي تبقى وتدوم - إلى المعاتبة، لأن العتاب إنما يكون بين الاحبة، وشوقي الحكيم يقول:
أما العتاب فبالاحبة أخلق ... والحب يحلو بالعتاب ويصدق
ويقول آخر:
أعاتب ذا المودة من صديق ... إذا ما رابني منه اجتناب
إذا ذهب العتاب فليس ود ... ويبقى الود ما بقي العتاب
وإذا كان الأخيار يودون لغيرهم الخير، ويتمنون الكريم من
الرغبات، فإن القرآن الكريم قد عرض علينا كذلك أصنافا قد انحرفت رغباتهم، وفسدت أمنياتهم. يقول كتاب الله تعالى عن اليهود في سورة البقرة:
«وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ» (1) .