فهرس الكتاب

الصفحة 841 من 1257

انظر كيف مجّد التنزيل العظيم ذكر هؤلاء الفقراء، فوصفهم بأنهم مهاجرون، وأنهم أخرجوا من ديارهم ببغي المشركين، وأنهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وأنهم ينصرون الله ورسوله بأنفسهم وأموالهم، وأنهم صادقون في إيمانهم، لأنهم هجروا لذات الدنيا، وتحملوا شدائدها لأجل العقيدة والدين، وهذه صفات جليلة نبيلة، ومع ذلك قدم القرآن وصفهم بالفقر على بقية الصفات، فكأنهم فقرهم تاج فضائلهم.

ويوأصل القرآن المجيد عنايته بهؤلاء الفقراء المعتمدين على ربهم، فيجعلهم أول مصرف من مصارف الزكاة في الإسلام فيقول في سورة التوبة:

«إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها .. » (1) الخ ...

ويتيح الإسلام للفقير المستقيم أن يأكل من مال اليتيم إذا أشرف الفقير على هذا اليتيم واحتاج إلى هذا الاكل، فيقول القرآن في سورة النساء:

«وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» (2) .

وقد نزلت الآية في شأن الولي الفقير على مال اليتيم، فله إذا كان محتاجا أن يأكل من مال اليتيم مقابل عمله له من غير اسراف، وبلا طمع أو خيانة.

ويقول الله تعالى في سورة آل عمران:

«لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ» (3) .

وإذا كان الفقر المستقيم فضيلة في الإنسان المؤمن، فإن الفقر لا يليق بجلال الله وكماله، فهو أغنى الاغنياء، ومن هنا جاء التهديد في الآية لأولئك المجرمين الذي نسبوا الفقر إلى الله سبحانه.

ولقد روي عن ابن عباس في سبب نزول الآية أن أبا بكر دخل بيتا لليهود يتعلمون فيه، فوجد طائفة منهم قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال

(1) سورة التوبة، الآية 60.

(2) سورة النساء، الآية 6.

(3) سورة آل عمران، الآية 181.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت