له «فنحاص» ، وكان من علمائهم وأحبارهم، فقال له أبو بكر:
ويحك يا فنحاص، اتق الله وأسلم، فو الله انك لتعلم أن محمدا رسول الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة، فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله تعالى من فقر، وانه الينا لفقير، وما نتضرع إليه كما تضرع الينا، وانا عنه لأغنياء، ولو كان غنيا عنا لما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، وانه ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيا عنا لما أعطانا الربا.
فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص وقال: والذي نفسي بيده لو لا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله.
فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: انظر يا محمد ما صنع صاحبك بي!.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟.
فقال: يا رسول الله قال قولا عظيما، يزعم أن الله - تعالى شأنه - فقير وهم عنه أغنياء. فلما قال ذلك غضبت لله تعالى مما قال فضربت وجهه.
فجحد فنحاص وأنكر، فأنزل الله تعالى هذه الآية تصديقا لأبي بكر رضي الله عنه!.
ثم يأتي حديث الفقر إلى الله عند الصوفية ورجال القلوب والارواح.
ان الفقر عندهم حسب تعبيرهم هو مرتبة التجرد، وقطع كل علاقة تحول بين القلب وبين الله تعالى ولهذا الفقر لديهم مكانة وأي مكانة، حتى يقول عنه أحدهم، وهو إبراهيم بن أحمد الخواص، كما جاء في
كتاب «اللمع» للطوسي:
الفقر رداء الشرف، ولباس المرسلين، وجلباب الصالحين، وتاج المتقين، وزين المؤمنين، وغنيمة العارفين، ومنبه المريدين، وحصن المطيعين، وسجن المذنبين، ومكفر للسيئات، ومعظم للحسنات، ورافع للدرجات، ومبلغ إلى الغايات، ورضا الجبار، وكرامة لأهل ولايته من الابرار، والفقر هو شعار الصالحين ودأب المتقين!!.
وهم يرون ان الفقر هو تحقيق العبودية والافتقار إلى الله في كل حال، ولذلك قال يحيى بن معاذ: حقيقة الفقر أن لا يستغني إلا بالله.
وقال رديم: الفقر إرسال النفس في أحكام الله.
وقال أبو تراب: حقيقة الغنى أن تستغني عمن هو مثلك، وحقيقة الفقر أن تفتقر إلى من هو مثلك.
وقال أبو الحسن المزين: من افتقر إلى الله تعالى، وصحح فقره إليه بملازمة آدابه، أغناه الله عن كل ما سواه.
وقال أبو عثمان النيسابوري: صلاح القلب في أربع خصال: في التواضع لله، والفقر إلى الله، والخوف من الله، والرجاء في الله.