فهرس الكتاب

الصفحة 843 من 1257

وقال أبو عبد الله الرازي: «الفقير الصادق هو الذي يملك كل شيء، ولا يملكه شيء» . وهي كلمة مضيئة مشرقة تدل على قوة الإرادة وبعد الهمة وعلو العزيمة، وتذهب النفس مذاهب في تصور مدلولها.

ويرى الصوفية أن الافتقار إلى الله يعني تسليم النفس إلى بارئها ومالكها والمتصرف بها، ولذلك يقوم ابن القيم في «مدارج السالكين» : لما كانت نفس الإنسان ليست له، وإنما هي ملك لله، فما لم يخرج عنها ويسلمها لمالكها الحق: لم يثبت له في الفقر قدم، فلذلك كان أول قدم

الفقر الخروج عن النفس، وتسليمها لمالكها ومولاها، فلا يخاصم لها، ولا يتوكل لها، ولا يحاجج عنها، ولا ينتصر لها، بل يفوض ذلك لمالكها وسيدها.

ويا له من مقام!! ..

ولقد قيل لبعض الصوفية: متى يستحق الفقير اسم الفقر؟.

فقال: إذا لم يبق عليه بقية منه.

قيل له: وكيف ذاك؟.

قال: «إذا كان له فليس له، وإذا لم يكن له فهو له» !.

وقد استهوت هذه العبارة الإمام ابن القيم، واستحوذت على جانب من اعجابه، فقال يعلق عليها:

«وهذه من أحسن العبارات عن معنى الفقر الذي يشير إليه القوم، وهو أن يصير كله لله عز وجل، لا يبقى عليه بقية من نفسه وحظه وهواه، فمتى بقي عليه شيء من أحكام نفسه ففقره مدخول.

ثم فسر ذلك بقوله: «إذا كان له فليس له» أي إذا كان لنفسه فليس لله، وإذا لم يكن لنفسه فهو لله. فحقيقة الفقر أن لا تكون لنفسك، ولا يكون لك منها شيء، بحيث تكون كلك لله، وإذا كنت لنفسك فثم ملك واستغناء مناف للفقر.

وهذا الفقر الذي يشيرون إليه لا تنافيه الجدة ولا الاملاك، فقد كان رسل الله وأنبياؤه في ذروته مع جدتهم وملكهم، كإبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم كان أبا الضيفان، وكانت له الاموال والمواشي وكذلك كان سليمان وداود عليهما السلام، وكذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم، كان كما قال الله تعالى:

«وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى» (1) .

فكانوا أغنياء في فقرهم، فقراء في غناهم.

فالفقر الحقيقي دوام الافتقار إلى الله في كل حال، وأن يشهد العبد - في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة - فاقة تامة إلى الله من كل وجه. فالفقر ذاتي للعبد، وإنما يتجدد له لشهوده ووجوده حالا، والا فهو حقيقة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه:

«الفقر لي وصف لازم أبدا ... كما ان الغنى أبدا وصف له ذاتي»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت