فهرس الكتاب

الصفحة 851 من 1257

منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم.

فبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فنادى في الناس، وحثهم على المسير وراء أعدائهم لمتابعة خطواتهم وقال صلوات الله وسلامه عليه: «لا يخرج معنا إلا من شهد القتال» .

فأحسن المسلمون الاستجابة لأمر الله والرسول، برغم متاعبهم ومخاوفهم وجراحهم، وكان ردهم: سمعا وطاعة. فسار بهم صلى الله عليه وسلم حتى بلغ بهم «حمراء الأسد» وهو موضع على ثمانية أميال من المدينة. وأقبل معبد الخزاعي نحو النبي فأسلم، فأمره النبي أن يلحق بأبي سفيان زعيم المشركين حينئذ، وأن يشيع فيه وفي رفاقه روح الخذلان، فاستجاب معبد، حتى لحق أبا سفيان عند مكان يقال له «الروحاء» ، على بعد قرابة أربعين ميلا من المدينة فلما رآه أبو سفيان سأله: ما وراءك يا معبد؟.

فأجاب معبد مخذّلا: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم، وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم.

فقال أبو سفيان: ما تقول؟

أجاب معبد: ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة.

فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم.

قال معبد: فلا تفعل، فإني لك ناصح.

وخاف أبو سفيان فانثنى عن عزمه، ورجع مع رفاقه على أعقابهم إلى مكة.

ومع هذا لقي أبو سفيان بعض العرب يقصد مكة فقال له: هل لك أن

تبلغ محمدا رسالة وأوقر لك راحلتك زبيبا إذا أتيت إلى مكة؟. قال الرجل: نعم.

فقال أبو سفيان: أبلغ محمدا أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه.

ولما بلغت هذه الرسالة النبي والمؤمنين قالوا في إيمان ويقين: «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» .

وهكذا تتألق منهم فضيلة الاستجابة لله رب العالمين.

ويروى أن الرسول عليه الصلاة والسلام حينما أراد الرجوع إلى المدينة يومئذ ركب فرسه، وأمر المسلمين أن يصطفوا فاصطفوا خلفه، وعامتهم جرحى، واصطف خلفهم النساء، وقال النبي: «استووا حتى أثني على ربي» .

وهنا ردد الرسول دعاء أخرجه أحمد والبخاري والنسائي وغيرهم - وان تكلم فيه الذهبي - وجاء في دعاء الرسول صلوات الله وسلامه عليه هذه الكلمات:

«اللهم لك الحمد، لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرّب لما باعدت، ولا مباعد لما قرّبت.

اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة (الفقر) ، والامن يوم الخوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت