والثقة بالله تعالى ثلاث درجات عند الصوفية:
الدرجة الأولى: درجة اليأس من تغيير ما قدر الله سبحانه، فهو إذا قضى أمرا فلا مرد له، ولا معقب لحكمه. وهذا اليأس يجعل صاحبه خاضعا لأمر الله، لا تتعلق إرادته بسواه، فحسبه الثقة بمولاه.
الدرجة الثانية: درجة الامن، حيث لا يأسى على فائت، بل يطمئن إلى أن نصيبه من ربه سيصله حتما، وهنا تسوده روح الرضى، فيشعر
بالراحة واللذة والنعيم، وقد روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ان الله - بعدله وقسطه - جعل الرّوح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط» .
الدرجة الثالثة: شهود القلب بأولية الحق، وتفرد الله جل جلاله بالازلية، فلا يتعلق القلب بالوسائل التي يحسب أنها توصل إلى المطالب.
وكثير من العلماء يجعل التوكل على الله، والثقة بالله، شيئا واحدا.
ولكن عند أنعام النظر نفهم أن نسبة الثقة إلى التوكل كنسبة الروح إلى البدن، فالثقة روح التوكل، والتوكل كالبدن الحامل لها، وذلك كنسبة الإحسان إلى الإيمان.
وعند ما علق ابن القيم على كلام الهروي عن «الثقة» قال هذه العبارة:
«وقد تقدم أن كثيرا من الناس يفسر التوكل بالثقة، ويجعله حقيقتها، ومنهم من يفسره بالتفويض، ومنهم من يفسره بالتسليم. فعلمت أن مقام التوكل يجمع ذلك كله.
فكأن الثقة عند الشيخ هي روح، والتوكل كالبدن الحامل لها، ونسبتها إلى التوكل كنسبة الإحسان إلى الإيمان، والله أعلم». وقد تحدثت عن فضيلة «التوكل» في الجزء الثاني من كتابي: «أخلاق القرآن» كذا، وينبغي أن نرجع إليه لنستكمل صورة الموضوع.
ولقد عني الصوفية بفضيلة «الثقة بالله» وشققوا الحديث عنها على طريقتهم، فهذا هو شقيق البلخي يسأله بعض الناس: بأي شيء يعرف أن العبد واثق بربه؟
فقال: يعرف بأنه إذا فاته شيء من الدنيا يحسبه غنيمة، وإذا أبطأ عليه شيء من الدنيا يكون أحب إليه من أن يأتيه.
ومن كلام حاتم الأصم الصوفي: من أصبح وهو مستقيم في أربعة أشياء فهو يتقلب في رضا الله: أولها الثقة بالله، ثم التوكل، ثم الإخلاص، ثم المعرفة، والأمور كلها تتم بالمعرفة.
ويقول يحيى بن معاذ الرازي: ثلاث خصال من صفات الأولياء: الثقة بالله في كل شيء، والغنى به عن كل شيء، والرجوع إليه في كل شيء.
رزقني الله وإياك فضيلة الثقة به، ونعمة الالتجاء إليه.