وأولئك الذين يقتحمون العقبة - كما وصفها القرآن وحددها - «أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ» . وهم أصحاب اليمين كما جاء في مواضع أخرى، أو انهم أصحاب اليمن والحظ والسعادة. وكلا المعنيين متصل في المفهوم الإيماني».
ويقول القرآن المجيد في سورة العصر:
«وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» .
أي تحابوا فتبادلوا فيما بينهم الوصية بالحق - وهو ضد الباطل - ولا يوصي بالحق إلا من كان عليما بالحق، عاملا به، ثابتا عليه، فالتواصي بالحق يستلزم أن نعرف الحق، وأن نؤمن بجمال هذا الحق ووجوبه،
وأن نخضع لهذا الحق فنتبعه ونتمسك به وندافع عنه، وأن نخلص أخيرا في هداية غيرنا إلى طريقه، لأن الإيمان لا يكمل إلا إذا أحب المؤمن لأخيه ما يحبه لنفسه.
وتواصوا بالصبر، والصبر ملكة تجعل صاحبها يحتمل ما يشق احتماله، وأن يحتمله دون شكوى، والصبر أنواع، فهناك صبر على الطاعة، وصبر على المعصية، وصبر في طلب العلم، وصبر في الإعداد، وصبر في الجهاد، وصبر على تبعات الواجب، وصبر في تعليم الغير، وصبر عند الغضب، وصبر ضد شهوات النفس، وهكذا.
ويلزمنا حين نوصي بالصبر أن نصحح معنى الصبر، وأن نؤمن بأنه طريق الفوز، وأن يخلص كل منا في نصيحة أخيه بالتزام الصبر، فهو لا يكتفي بصلاح نفسه، بل ينقل الخير إلى أخيه في الإسلام.
ولقد قررت سورة العصر أن جنس الإنسان في خسار ووبال، ثم استثنت المتصفين بالإيمان والعمل، ثم وصفتهم بعد ذلك - كما يقول الرازي - بأنهم قد صاروا لشدة محبتهم للطاعة لا يقتصرون على ما يخصهم، بل يوصون غيرهم بمثل طريقتهم ليكونوا أيضا سببا لطاعات الغير، كما ينبغي أن يكون عليه أهل الدين، وكما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه يلزمه في غيره أمور منها الدعوة إلى الدين، والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن يحب لاخيه ما يحب لنفسه.
ويقول الإمام محمد عبده: «شرط النجاة من الخسران أن تصبر، وأن توصي غيرك بالصبر، وتحمله على تكميل قواه بهذه الفضيلة الشريفة التي هي أم الفضائل بأسرها، ولا يمكنك حمله على ذلك حتى تكون بنفسك متحليا بها، والا دخلت فيمن يقول ولا يفعل كما يقول، فلم تكن ممن يعمل الصالحات» .