فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 1257

ومن هذا الاستعراض السريع لآيات الحياء في القرآن الكريم نفهم ان الحياء جاء مرة منسوبا إلى الله عز وجل، ومرة منسوبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومرة منسوبا إلى إحدى الفتيات الطاهرات العفيفات.

والى جوار الآيات التي ذكرت مادة «حياء» صراحة، جاءت آيات ترمز لى الحياء وتشير نحوه، وهي الآيات التي تذكّر الإنسان باطّلاع الله على كل أحواله وأموره، فإن استحضار ذلك في نفس المؤمن يجعلها متجملة بالحياء والحشمة، كقوله تعالى: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) . وقوله (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى) . وقوله:(يَعْلَمُ خائِنَةَ

الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ). وقوله: (إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) وقوله: (وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ(1) ، وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ). وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ، وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ، إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

وخلق الحياء وثيق الصلة بيقظة الضمير، ويقظة الضمير وثيقة الصلة بحياة القلب وصفائه، ولذلك يرى ابن القيم أن الحياء من الحياة، وعلى حسب حياة القلب يكون فيه خلق الحياء، وان قلة الحياء من موت القلب والروح، فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم.

ولقد عني رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلق الحياء، وأكد التنويه به والرفع من مكانته، فجعل الحياء وثيق الارتباط بالإيمان، فقال: «الحياء شعبة من الإيمان» ، وقال: «ان الحياء والإيمان في قرن، فإذا سلب أحدهما تبعه الآخر» . ورأى النبي عليه الصلاة والسّلام رجلا يعاتب آخر بشأن الحياء فقال له: «دعه فإن الحياء من الإيمان» . وكأن الرسول عليه صلوات الله وسلامه قد جعل الحياء من الإيمان لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، فصار كالإيمان الذي يحول بين الإنسان وهذه المعاصي، ولعل هذا هو الذي جعل الرسول عليه صلوات الله وسلامه يقول: «استحيوا من الله حق الحياء» وحينما قال الصحابة: إنا نستحيي من الله يا رسول الله والحمد لله

(1) تفيضون فيه: تشرعون فيه وتتوسعون. وما يعزب: ما يغيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت