فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 1257

ومظاهر الحياء كثيرة، وأنواعه عديدة، فهناك الحياء من الذنب، وهو الشعور الذي يعتري نفس المذنب، فيخجل من ذنبه ويستحيي، والحياء من التقصير، وهو أن يفعل الإنسان خيرا، ولكنه يراه دون ما ينبغي فيستحيي، وحياء الإكبار، وهو استحياء الصغير من الكبير الجليل، وحياء الاحتشام، وهو خجل الإنسان من التبسط في الكلام مع من يهابه، وحياء الكرم، وهو استحياء الرجل الكريم إذا أعطى وأحس بأن ما أعطاه دون ما ينبغي،

وحياء المحبة، وهو استحياء المحب من محبوبه، على حد قول القائل:

أهابك إجلالا، وما بك قدرة ... عليّ، ولكن ملء عين حبيبها

وهناك الحياء البليغ الرائع، وهو استحياء الإنسان من نفسه، ومن اكتفائها بما تستطيع أن تبلغ أعلى منه، وهذا أشرف أنواع الحياء، لأن المرء إذا استحيا من نفسه فهو من غيره يكون أشدّ استحياء، وقد توسع ابن القيم في الحديث عن أنواع الحياء.

ومما جاء في السنة المطهرة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» . ولذلك الحديث تفسيران: الأول منهما أن ذلك أمر تهديد ووعيد، أي إذا لم تستح من العيب، ولم تخش العار مما تفعله، فافعل كلّ ما تحدثك به نفسك من أهوائها وأغراضها، حسنا كان أم قبيحا. ويكون التقدير: من لم يستح صنع ما شاء، وهذا توبيخ وتبكيت، وإن كان لفظه وظاهره الأمر، وفيه تنبيه على أن الذي يصد الإنسان عن إتيان السيئات هو الحياء، فإذا تجرد عن الحياء صار كأنه مأمور بارتكاب كلّ ضلالة، واقتراف كل سيئة، وهذا التفسير هو التفسير المشهور الظاهر.

والتفسير الآخر للحديث هو أن ذلك أمر إباحة. أي إذا كنت في فعلك آمنا أن تستحي منه، لأنه لا عيب فيه ولا سوء، ولأنك تلتزم الصواب في فعلك، فاصنع ما شئت، فأنت آمن من العقاب والعتاب، ويكون التقدير: انظر إلى الفعل الذي تريد أن تفعله فإن كان طيبا لا يستحى منه فلا عليك أن تفعله.

وبعض أهل السوء يتوقحون ويتبجحون فيقولون نحن لا يهمنا الناس، ويرتكبون من الأخطاء ما يرتكبون دون أن يستحوا، وكأنهم قد خلعوا برقع الحياء عن وجوههم، وقد يتعللون فيقولون إن الخجل من الناس لون من

الرياء أو التصنع، وعلى هذا الأساس لا يقيمون للناس وزنا، فيأتون من السيئات ما يريدون بلا وازع ولا رادع، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله تعالى» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت