ان الذي ييسره الله لليسرى ليمضي في حياته كلها ميسرا، يمضي مع هذا الوجود المتناسق التركيب والحركة والاتجاه إلى الله، فلا يصطدم إلا المنحرفين عن خط هذا الوجود الكبير - وهم لا وزن لهم ولا حساب حين يقاسون إلى هذا الوجود الكبير - يمضي في حركة يسيرة لطيفة هينة لينة مع الوجود كله، ومع الاحداث والأشياء والاشخاص، ومع القدر الذي يصرّف الاحداث والأشياء والاشخاص، اليسر في يده، واليسر في لسانه، واليسر في خطوه، واليسر في عمله، واليسر في تصوره، واليسر في تفكيره، واليسر في أخذه للأمور، واليسر في علاجه للأمور، اليسر مع نفسه، واليسر مع غيره».
ومن الواضح عند المتفكر المتدبر أن قول الحق جل جلاله: «فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى» فيه ايحاء قوي بالاتجاه إلى خطة التيسير وفضيلة التياسر، ولذلك يقول صاحب «الظلال» أيضا:
«الذي يعطي ويتقي، ويصدق بالحسنى، يكون قد بذل أقصى ما في وسعه ليزكي نفسه ويهديها، وعندئذ يستحق عون الله وتوفيقه الذي أوجبه سبحانه على نفسه، بإرادته ومشيئته، والذي بدونه لا يكون شيء، ولا يقدر الإنسان على شيء.
ومن يسره الله لليسرى فقد وصل، وصل في يسر وفي رفق وفي هوادة، وصل وهو بعد في هذه الأرض، وعاش في يسر، يفيض اليسر من نفسه على كل ما حوله، وعلى كل من حوله: اليسر في خطوه، واليسر في طريقه، واليسر في تناوله للأمور كلها، والتوفيق الهادئ المطمئن في كلياتها وجزئياتها، وهي درجة تتضمن كل شيء في طياتها، حيث تسلك صاحبها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في وعد ربه له: «ونيسرك لليسرى» :
«وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى، وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى» (1) .
والذي يبخل بنفسه وماله، ويستغني عن ربه وهداه، ويكذّب بدعوته ودينه، يبلغ أقصى ما يبلغه إنسان بنفسه من تعريضها للفساد، ويستحق أن يعسر الله عليه كل شيء، فييسره للعسرى، ويوفقه إلى كل وعورة، ويحرمه كل تيسير، ويجعل في كل خطوة من خطاه مشقة وحرجا، ينحرف به عن طريق الرشاد، ويصعد به في طريق الشقاوة، وان حسب انه سائر في طريق الفلاح».
ويقول التنزيل الحكيم في سورة الشرح:
(1) سورة الليل، الآية 8 - 11.