عباس رضي الله عنهما، كيف يتجه بكليته إلى ربه، لا يسأل غيره، ولا يستعين بسواه، فالأمر بيده، له الحكم واليه فيقول له:
«يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الاقلام، وجفت الصحف» .
وحينما وقف رسول الله عليه الصلاة والسّلام وقفته الخالدة الماجدة في وجه الشرك والكفران، يتحدى أهل الطغيان والجبروت، وهو في قلة من اتباعه والمؤمنين به، يقول لهم في عزم وتحد وتصميم: «والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر (وهو الدعوة إلى الله، لتعلو كلمة التوحيد، ويتحقق توحيد الكلمة) ما تركته، حتى يظهره الله، أو أهلك دونه» .
حينما وقف رسول الله هذا الموقف العازم الصارم الحاسم، هذا مثلا أعلى في الاحتساب لوجه الله، وطلب الثواب والجزاء من الله وحده ولقد عرضوا عليه المال والجمال، والجاه والمنصب، فتعالى عن كل غرض وعرض، وأخلص لله سعيه، واحتسب عند الله نضاله، ولم يرتج على ذلك من الناس جزاء ولا شكورا، فحسبه ربه ناصرا وجازيا ونصيرا، ولا عجب في ذلك، فربه تبارك وتعالى هو الذي صنعه على عينه، وهو الذي أدبه وهذبه، وهو الذي أيده وعصمه، وهو الذي قال له في ختام سورة التوبة:
«فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، عَلَيْهِ
تَوَكَّلْتُ، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ»» (1) .
والرسول العظيم - صلوات الله وسلامه عليه - هو الذي يشير إلى نزعة الاحتساب عنده، حينما تصاب يده في سبيل ربه، فيقول:
«ما انت إلا اصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت» !
وكأن العمل الذي يقوم به المسلم في سبيل الله، أو المال الذي ينفقه في سبيل الله، أو الجهاد الذي يقوم به في سبيل الله، داخل في صميم «الاحتساب» ، لأن صاحب هذا المجهود يخلصه لوجه ربه، ولا يريد به منا ولا نفاقا ولا نفعا ماديا عاجلا، وإنما يريد به رضا الله وقبوله، ويطمع فيما عند الله من ثواب وتكريم.
وعلى هذا التفسير نفهم قول الله جل جلاله في سورة البقرة:
«وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ» (2) .
وقوله في سورة البقرة أيضا:
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (3) .
وقوله في السورة نفسها:
«مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
(1) سورة التوبة، الآية 130.
(2) سورة البقرة، الآية 154.
(3) سورة البقرة، الآية 218.