فهرس الكتاب

الصفحة 951 من 1257

يقول: «كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به» .

وفي «الاحياء» يفصل الغزالي القول نوعا من التفصيل فيقول: «الناس ثلاثة: رجل شغله معاشه عن معاده فهو من الهالكين، ورجل شغله معاده عن معاشه فهو من الفائزين، والاقرب إلى الاعتدال هو الثالث: الذي شغله معاشه لمعاده، فهو من المقتصدين، ولن ينال رتبة الاقتصاد من لم يلازم في طلب المعيشة منهج السداد، ولن ينتهض من طلب الدنيا وسيلة إلى الآخرة وذريعة، ما لم يتأدب في طلبها بآداب الشريعة» .

ثم يأتي الصوفية بطريقتهم الخاصة وأسلوبهم المتميز، فيعطون فضيلة «ابتغاء الطيب» حقها من الرعاية، فنرى إبراهيم بن أدهم يأكل الزبد والعسل والخبز الجيد، فيقال له: أتأكل هذا كلّه؟.

فيجيب: إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال!.

وروي أن الاوزاعي لقي إبراهيم بن أدهم وعلى عنقه حزمة حطب، فقال له: يا أبا إسحاق، إلى متى هذا؟ اخوانك يكفونك.

فقال: دعني من هذا يا أبا عمر، بلغني أنه من وقف موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة!.

ويتعمق القشيري بعض التعمق حين يتعرض في «لطائف الإشارات لتفسير قوله تعالى في سورة البقرة:

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ

وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ» (1) .

فيقول: «الحلال ما لا تبعة عليه، والطيب الذي ليس لمخلوق فيه منة، وإذا وجد العبد طعاما يجتمع فيه الوصفان فهو الحلال الطيب» .

وتتناثر من أفواه الصوفية الاعلام كلمات مضيئة حول الطيب وابتغائه، فيقول سهل: «النجاة في ثلاثة: أكل الحلال (الطيب) ، وأداء الفرائض، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم» .

ويقول أبو عبد الله سعيد بن يزيد الساجي: «خمس خصال بها تمام العلم، وهي معرفة الله عز وجل، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال (الطيب) ، فإن فقدت واحدة لم يرفع العمل» .

ويعود سهل فيقول: «لا يصح أكل الحلال (الطيب) إلا بالعلم، ولا يكون المال حلالا حتى يصفو من ست خصال: الربا والحرام والسحت والغلول والمكروه والشبهة» .

ونرى بعض الصوفية يتشددون أو يتزمتون قليلا، ومن ذلك في فهمنا أن سائلا سأل ابن المبارك عن الرجل يريد أن يكتسب، وينوي باكتسابه أن يصل به الرحم، وأن يجاهد، ويعمل الخيرات، ويدخل في آفات الكسب لهذا الشأن؟

فيقول ابن المبارك: ان كان معه قوام من العيش بقدر ما يكف نفسه عن الناس، فترك هذا أفضل، لأنه إذا طلب حلالا، وأنفق في حلال، سئل عنه، وعن كسبه، وعن إنفاقه، وترك ذلك زهد، فإن الزهد في ترك الحلال.

(1) سورة البقرة، الآية 172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت