وإنما تكون مشتغلا بذكر الرب إذا كنت في مقام مطالعة ربوبيته، وربوبيته عبارة عن أنواع تربيته لك، وإحسانه إليك، فما دمت في هذا المقام تكون مشغول القلب بمطالعة آلائه ونعمائه، فلا تكون مستغرق القلب به، وحينئذ يزداد الترقي، فتكون مشغولا بذكر الهيته، واليه الإشارة بقوله: «اذكروا الله كذكركم أباءكم» .
وفي هذا المقام يكون الإنسان في مقام الهيبة والخشية، لأن الإلهية
إشارة إلى القهارية والعزة والعلو والصمدية، ولا يزال العبد يبقى في هذا المقام مترددا في مقامات الجلال والتنزيه والتقديس، إلى أن ينتقل منها إلى مقام الهوية الاحدية، التي كلّت العبارات عن شرحها، وتقاصرت الإشارات عن الانتهاء إليها، وهناك الانتهاء إلى الواحد الحق، ثم يقف لأنه ليس هناك نظير في الصفات، حتى يحصل الانتقال من صفة إلى صفة، ولا أن تكون الهوية مركبة حتى يتنقل نظر العقل من جزء إلى جزء، ولا أنها مناسبة لشيء من الأحوال المدركة من النفس حتى تعرف على سبيل المقايسة، فهي الظاهرة لأنها مبدأ ظهور كل ظاهر، وهي الباطنة لأنها فوق عقول كل المخلوقات، فسبحان من احتجب عن العقول بشدة ظهوره، واختفى عنها بكمال نوره.
وأما قوله تعالى: «وتبتل إليه تبتيلا» ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: اعلم أن جميع المفسرين فسروا التبتل بالإخلاص، وأصل البتل في اللغة القطع، وقيل لمريم: البتول، لأنها انقطعت إلى الله تعالى في العبادة، وصدقة بتلة: منقطعة من مال صاحبها.
وقال الليث: التبتل تمييز الشيء عن الشيء.
والبتول كل امرأة تنقبض عن الرجال، لا رغبة لها فيهم.
إذا عرفت هذا فاعلم أن للمفسرين عبارات:
قال الفراء: يقال للعابد إذا ترك كل شيء، وأقبل على العبادة: قد تبتل: أي انقطع عن كل شيء إلى أمر الله وطاعته.
وقال زيد بن أسلم: التبتل رفض الدنيا مع كل ما فيها، والتماس ما عند الله.
واعلم أن معنى الآية فوق ما قاله هؤلاء الظاهريون، لأن قوله: «وتبتل» أي انقطع عن كل ما سواه فالمشغول بطلب الآخرة غير متبتل إلى
معرفة الله لا إلى الله (هكذا) .
فمن آثر العبادة لنفس العبادة، أو لطلب الثواب، أو ليصير متعبد كاملا بتلك العبودية، فهو متبتل إلى غير الله!!.