فهرس الكتاب

الصفحة 957 من 1257

ومن آثر العرفان للعرفان فهو متبتل إلى العرفان، ومن آثر العبودية لا للعبودية بل للمعبود، وآثر العرفان لا للعرفان بل للمعروف، فقد خاض لجة الوصول.

وهذا مقام لا يشرحه المقال، ولا يعبر عنه الخيال.

ومن أراد فليكن من الوأصلين إلى العين، دون السامعين للاثر، ولا يجد الإنسان لهذا مثالا إلا عند العشق الشديد إذا مرض البدن بسببه، وانحبست القوى، وعميت العينان، وزالت الاغراض بالكلية، وانقطعت النفس عما سوى المعشوق بالكلية، فهناك يظهر الفرق بين التبتل إلى المعشوق، وبين التبتل إلى رؤية المعشوق.

المسألة الثانية: الواجب أن يقال: وتبتل إليه تبتيلا. أو يقال: بتّل نفسك إليه تبتيلا، لكنه تعالى لم يذكرهما. واختار هذه العبارة الدقيقة، وهي أن المقصود بالذات هو التبتل، فأما التبتيل فهو تصرف، والمشتغل بالتصرف لا يكون متبتلا إلى الله، لأن المشتغل بغير الله لا يكون منقطعا إلى الله، إلا أنه لا بد أولا من التبتيل حتى يحصل التبتل، كما قال تعالى:

«وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» .

فذكر التبتل أولا اشعارا بأنه المقصود بالذات، وذكر التبتل ثانيا اشعارا بأنه لا بد منه، ولكنه مقصود بالعرض».

ولقد تعرض غير الرازي للاستفهام التالي: لماذا قالت الآية الكريمة: «وتبتل إليه تبتيلا» ولم يقل: وتبتل إليه تبتلا، مع أن مصدر «بتّل» - بتشديد التاء - هو: التبتل، مثل التعلم والتفهم؟.

وأجاب ابن قيم الجوزية في «مدارج السالكين» على هذا الاستفسار بهذه العبارة:

«مصدر «بتّل» «تبتلا» كالتعلم والتفهم، ولكن جاء على التفعيل - مصدر تفعل - لسر لطيف، فإن في هذا الفعل ايذانا بالتدرج والتكلف والتعمل والتكثر والمبالغة، فأدى بالفعل الدال على أحدهما، وبالمصدر الدال على الآخر، فكأنه قيل: بتّل نفسك إلى الله تبتيلا، وتبتل إليه تبتلا، ففهم المعنيان من الفعل ومصدره، وهذا كثير في القرآن، وهو من أحسن الاختصار والايجاز».

وقد سميت مريم الطاهرة العذراء بالبتول، لانقطاعها عن الأزواج، أو لتركها التزويج، أو عن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها، ففاقت نساء الزمان شرفا وفضلا، وقطعت منهن لأنها تفوقهن، متميزة عليهن، وهذا ما يذكرنا بقول الحق جل جلاله في سورة آل عمران: «واذ قالت الملائكة يا مريم ان الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت