وكذلك فاطمة الطاهرة بنت سيد المرسلين محمد عليه الصلاة والسّلام ورضي الله عنها وعن ذريتها - سميت بالبتول، وعلل الزبيدي ذلك بقوله في «تاج العروس» : لقبت بالبتول تشبيها بمريم في المنزلة عند الله تعالى، أو لانقطاعها عن نساء زمانها، وعن نساء الأمة فضلا ودينا، وحسبا وعفافا، وهي سيدة نساء العالمين، وأم أولاده صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنها وعنهم.
ثم يضيف الزبيدي أن العلماء قد أفردوا في الأحاديث الواردة في فضلها كتابا مستقلا، منهم شيخ الزبيدي العارف بالله تعالى السيد عبد الله ابن إبراهيم بن حسن الحسيني الطائفي، فإنه ألّف في ذلك رسالة قرأها
عليه الزبيدي بالطائف في سنة 1166 ه. رضوان الله على الجميع.
وللصوفية في التبتل حديث طويل فيه تشقيق وتنميق. والهروي - من أعلامهم - يعد «التبتل» من منازل «إياك نعبد وإياك نستعين» التي تتوالى فيها مدارج السالكين، ويعرفه بقوله: «التبتل الانقطاع إلى الله بالكلية» . ويستشهد بقوله تعالى: «له دعوة الحق» . ويذكر أن التبتل يفيد: التجريد المحض المفهوم من هذا النص الإلهي.
ويعلق ابن القيم على هذا بقوله:
«ومراده بالتجريد المحض: التبتل عن ملاحظة الاعواض، بحيث لا يكون المتبتل كالاجير الذي لا يخدم إلا لاجل الاجرة، فإذا اخذها انصرف عن المستأجر، بخلاف العبد، فإنه يخدم بمقتضى عبوديته، لا للاجرة، فهو لا ينصرف عن باب سيده إلا إذا كان آبقا، والابق قد خرج من شرف العبودية، ولم يحصل له إطلاق الحرية، فصار بذلك مركوسا عند سيده وعند عبيده، وغاية شرف النفس دخولها تحت رق العبودية طوعا واختيارا. ومحبة، لا كرها وقهرا، كما قيل:
شرف النفوس دخولها في رقّهم ... والعبد يحوي الفخر بالتمليك
والذي حسّن استشهاده بقوله «له دعوة الحق» في هذا الموضع: إرادة هذا المعنى، وأنه تعالى صاحب دعوة الحق لذاته وصفاته، وان لم يوجب لداعيه بها ثوابا، فإنه يستحقها لذاته، فهو أهل أن يعبد وحده، ويدعى وحده، ويقصد وحده ويشكر ويحمد، ويحب ويرجى ويخاف، ويتوكل عليه، ويستعان به، ويستجار به، ويلجأ إليه، ويصمد إليه، فتكون الدعوة الإلهية الحق له وحده.
ومن قام بقلبه هذا - معرفة وذوقا وحالا - صح له مقام التبتل