فهرس الكتاب

الصفحة 959 من 1257

والتحريض المحض. وقد فسر السلف «دعوة الحق» بالتوحيد والإخلاص فيه والصدق، ومرادهم هذا المعنى. فقال علي رضي الله عنه: «دعوة الحق التوحيد» ، وقال ابن عباس رضي الله عنه: «شهادة أن لا إله إلا الله» .

وقيل الدعاء بالإخلاص، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله، ودعوة الحق دعوة الإلهية وحقوقها وتجريدها وإخلاصها».

والصوفية - كما ينقل صاحب مدارج السالكين عن الهروي - يقسمون التبتل بمعنى التجريد المحض إلى ثلاثة أقسام، أو ثلاث درجات:

الدرجة الأولى: تجريد الانقطاع عن الحظوظ والتطلع إلى العالم بالخوف أو الرجاء، لأن التبتل يجمع أمرين هما: الاتصال والانفصال، والمراد بالانقطاع انقطاع قلب الإنسان عن حظوظ النفس التي تزاحم مراد الرب منه، فلا يلتفت قلبه إلى غير الله، خوفا منه أو رغبة فيه أو مبالاة به.

ويراد بالاتصال اتصال قلب المتبتل بالله، وإقباله عليه، وإقامة وجهه له بالحب والإنابة والتوكل، وذلك يوجد عن طريق الرضى بحكم الله وقسمته، مع التسليم لله، فلا يبقى في قلبه خوف من المخلوقين، ولا مبالاة بهم في قليل أو كثير.

والدرجة الثانية: درجة الانقطاع عن النفس، بمخالفة هواها، وتنسم روح الانس بالله، والتطلع إلى فيض الله ورحمته، وقد عبر عنها ابن القيم بهذه العبارة:

«الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أن الأولى انقطاع عن الخلق، وهذه انقطاع عن النفس، وجعله بثلاثة أشياء:

أولها: مجانبة الهوى ومخالفته ونهي نفسه عنه، لأن اتباعه يصد عن التبتل.

وثانيها: - وهو بعد مخالفة الهوى - تنسم روح الأنس، والرّوح للروح كالروح للبدن، فهو روحها وراحتها، وإنما حصل له هذا الروح لما أعرض عن هواه، فحينئذ تنسم روح الانس بالله، ووجد رائحته، إذ النفس لا بد لها من التعلق. فلما انقطع تعلقها من هواها وجدت روح الانس بالله، وهبت عليها نسماته، فريّحتها وأحيتها.

وثالثها: شيم برق الكشف، وهو مطالعته واستشرافه، والنظر إليه، ليعلم به مواقع الغيث ومساقط الرحمة.

وليس مراده بالكشف ههنا: الكشف الجزئي السفلي، المشترك بين البر والفاجر، والمؤمن والكافر، كالكشف عن مخبآت الناس ومستورهم، وإنما هو الكشف عن ثلاثة أشياء، هن منتهى كشف الصادقين أرباب البصائر:

أحدها: الكشف عن منازل السير.

والثاني: الكشف عن عيوب النفس، وآفات الأعمال ومفسداتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت