حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 7
والإشارة إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيما للأمر وزجرا عن الإعراض عنه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقوله اللّه لا إله إلا هو الحي القيوم وبعدما أشار إلى العمدة في إثبات نبوته عليه الصلاة والسّلام بقوله نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا الآية، تعظيما لأمر النبوة والتوحيد وسبب نزول هذه الآية من أولها إلى آية الملاعنة وهي نيف وثمانون آية، أنها نزلت في وفد نجران.
روي أنه قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفد نجران ستون راكبا فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم وثلاثة من أكابر القوم أحدهم أميرهم وصاحب مشورتهم يقال له العاقب واسمه المسيح، والثاني مشيرهم ووزيرهم كانوا يقولون له السيد واسمه الأيهم والثالث حبرهم وأسقفهم وصاحب مدارسهم يقال له أبو حارث بن علقمة أحد بني بكر بن وائل، وملوك الروم كانوا شرفوه ومولوه وأكرموه لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فلما قدموا المدينة ودخلوا مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تكلم أولئك الثلاثة العاقب والسيد والحبر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على اختلاف من أديانهم. فتارة يقولون عيسى هو اللّه وتارة يقولون هو ابن اللّه وتارة ثالث ثلاثة، ويحتجون على قولهم هو اللّه بأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، ويحتجون على قولهم إنه ابن اللّه بأنه لم يكن له أب يعلم ويحتجون على قولهم ثالث ثلاثة بقوله تعالى: فَعَلْنا [إبراهيم: 45] وَقُلْنا [البقرة: 34 - 35] ولو كان واحد القال فعلت وقلت. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسلموا فقالوا:
قد أسلمنا قبلك، فقال رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام: «كذبتم يمنعكم من الإسلام دعواكم للّه ولدا وعبادتكم الصليب وأكلكم الخنزير. وقال ألستم تعلمون أن الولد يشبه أباه وأنتم تعلمون أن ربّنا حي بلا موت وأن عيسى يأتي عليه الفناء، وأنتم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء ويحفظه ويرزقه فهل يملك عيسى شيئا من ذلك، وألستم تعلمون أنه تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيء من ما في العالم غير ما علمه اللّه تعالى إياه» فاعترفوا بجميع ذلك وقال عليه الصلاة والسّلام: «فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء» فهل تعلمون ذلك: قالوا بلى قال عليه الصلاة والسّلام: «ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث، وتعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذى كما يغذى الصبي ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب، ويحدث الحدث، فكيف هو كما زعمتم» فسكتوا وأبوا إلا جحودا ثم قالوا يا محمد ألست تزعم أنه كلمة اللّه وروحه فقال: «بلى» فقالوا حسبنا، فأنزل اللّه تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ [آل عمران: 7] ثم إن اللّه تعالى أمر محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بملاعنتهم إن ردوا عليه، فدعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الملاعنة فقالوا: يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما تريد أن تفعل فانصرفوا. ثم قال بعض أولئك لبعض ما ترى فقال واللّه يا معشر النصارى لقد